أيهما أفضل: قراءة سورة من القرآن بتدبر.. أم ختمةٌ بلا تدبر؟!

أيهما أفضل: قراءة سورة من القرآن بتدبر.. أم ختمةٌ بلا تدبر؟!
2026/07/07

سؤال: أيهما أفضل: قراءة سورة من القرآن بتدبرٍ وفهمٍ أم قراءة القرآن كله من غير تدبر؟!

والجواب: اختلف أهلُ العلم في هذه المسألة على قوليْن(1):
الأول: وهو ما ذَهَبَ إليه ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَغَيْرُهُمَا من أَنَّ التَّرْتِيلَ وَالتَّدَبُّرَ مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْ سُرْعَةِ الْقِرَاءَةِ مَعَ كَثْرَتِهَا. وذلك لأن الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَهْمُهُ وَتَدَبُّرُهُ، وَالْفِقْهُ فِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَتِلَاوَتُهُ وَحِفْظُهُ وَسِيلَةٌ إِلَى مَعَانِيهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: (نَزَلَ الْقُرْآنُ لِيُعْمَلَ بِهِ، فَاتَّخَذُوا تِلَاوَتَهُ عَمَلًا) وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمُ الْعَالِمُونَ بِهِ، وَالْعَامِلُونَ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظُوهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.
وَأَمَّا مَنْ حَفِظَهُ وَلَمْ يَفْهَمْهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ، فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ أَقَامَ حُرُوفَهُ إِقَامَةَ السَّهْمِ. 
قَالُوا: وَهَذَا هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِنَّهُ كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا، وَقَامَ بِآيَةٍ حَتَّى الصَّبَاحِ.

الثاني: ما ذَهَبَ إليه أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ -رحمه الله- من أن كَثْرَةَ الْقِرَاءَةِ أَفَضْلُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النبي ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ»(2)
قَالُوا: وَلِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَذَكَرُوا آثَارًا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ فِي كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ.
وخلصَ ابنُ القيم إلى أن الصَّوَاب فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ثَوَابَ قِرَاءَةِ التَّرْتِيلِ وَالتَّدَبُّرِ أَجَلُّ وَأَرْفَعُ قَدَرًا، وَثَوَابَ كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ أَكْثَرُ عَدَدًا، فَالْأَوَّلُ: كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ عَظِيمَةٍ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ نَفِيسَةٌ جِدًّا، وَالثَّانِي: كَمَنْ تَصَدَّقَ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ أَعْتَقَ عَدَدًا مِنَ الْعَبِيدِ قِيمَتُهُمْ رَخِيصَةٌ.

وقال ابنُ حجر -رحمة الله عليه-:

"التَّحْقِيقُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْإِسْرَاعِ وَالتَّرْتِيلِ جِهَةَ فَضْلٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْرِعُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسُّكُونِ الْوَاجِبَاتِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْضُلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَأَنْ يَسْتَوِيَا فَإِنَّ مَنْ رَتَّلَ وَتَأَمَّلَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ وَاحِدَةٍ مُثْمَنَةٍ، وَمَنْ أَسْرَعَ كمن تصدق بعدة جَوَاهِر لَكِن قيمتهَا قِيمَة الْوَاحِدَةِ وَقَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْأُخْرَيَاتِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ"(3).

🤲 فاللهم اجعلنا مِن أهل القرآن غيرِ الغالين فيه ولا الجافين عنه، وارزقنا حُسْنَ فهمِه وتدبُّرِ معانيه، والعملَ بأوامره ونواهيه، على الوجه الذي يرضيك عنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: «زاد المعاد» (1/ 327 وما بعدها).
(2) رَوَاهُ الترمذي (2910) وَصَحَّحَه الألباني.
(3) فتح الباري(9/ 89).
 

ellipse
loading

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة