ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا: معنى الآية وتكامل المهن

ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا: معنى الآية وتكامل المهن
2026/10/15

من يتأمل حكمة الله تعالى في خلقه يدرك أن اختلاف أحوال الناس هو جزء من نظام الحياة الذي تتكامل فيه الأدوار، وتتبادل فيه المنافع، ويحتاج فيه الإنسان إلى أخيه الإنسان، وليس دعوة إلى التعالي أو الانتقاص.

قسمة الله وحكمته:

قال الله تعالى:﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾. تضع هذه الآية الكريمة تفاوت الأرزاق والمكانات في إطاره الصحيح؛ فالله تعالى هو الذي قسم معايش العباد، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، بحكمته وتدبيره، فجعل بينهم من الاختلاف ما تقوم به مصالح الحياة وتتعدد به وجوه العمل والإنتاج.
فمن الناس من وسع الله عليه في الرزق، ومنهم من ضيق عليه، ومنهم من أوتي قوة في جانب، ومنهم من تميز بقدرة أو علم أو مهارة في جانب آخر.
 وقد يجتمع للإنسان بعض هذه النعم، ويُحرم غيرها؛ فلا يدل اتساع الرزق وحده على كمال صاحبه، كما لا يدل ضيقه على نقص قدره.
ومن هنا، فإن النظر إلى المال أو المنصب باعتباره دليلًا مطلقًا على التفاضل بين البشر، يغفل عن تعدد النعم والقدرات، وعن أن ما يملكه الإنسان في جانب قد لا يملكه في جانب آخر.

لماذا جعل الله الناس متفاوتين؟


ومن حكم هذا التفاوت أن يحتاج الناس بعضهم إلى بعض، فتنتظم به شؤون الحياة، وتتبادل بينهم الأعمال والمنافع، يقول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.
فصاحب المال يحتاج إلى من يعمل بخبرته وجهده، وصاحب العمل يحتاج إلى من ينجز أعماله، والطبيب يحتاج إلى من يوفر له ما تقوم عليه حياته، كما يحتاج أصحاب المهن والحرف إلى غيرهم في جوانب متعددة من شؤونهم.
ولا يقف هذا الاحتياج عند حدود المال والعمل؛ فالإنسان قد يكون غنيًّا فيحتاج إلى علم غيره، أو صاحب منصب يحتاج إلى خبرة موظف بسيط، أو قويًّا يحتاج إلى رعاية من هو أضعف منه في جانب آخر.
ومن ثم فإن تسخير الناس بعضهم لبعض لا يعني استعلاء طبقة على أخرى، إذ الحياة تقوم على تبادل المنافع وتكامل الأدوار.


ليس الغني أرفع قدرًا في كل شيء:


والتفاوت في العطاء لا يعني أن الإنسان يساوي ما يملك، وأن مكانته تُختصر فيما يشغله من منصب أو فيما يحمله من مال.
وفي صحيح البخاري (مَرَّ رَجُلٌ على رَسولِ اللهِ ﷺ، فقال: ما تَقولونَ في هذا؟ قالوا: حَريٌّ إن خَطَبَ أن يُنكَحَ، وإن شَفَعَ أن يُشَفَّعَ، وإن قال أن يُستَمَعَ، ثُمَّ سَكَتَ، فمَرَّ رَجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسلِمينَ، فقال: ما تَقولونَ في هذا؟ قالوا: حَريٌّ إن خَطَبَ أن لا يُنكَحَ، وإن شَفَعَ أن لا يُشَفَّعَ، وإن قال أن لا يُستَمَعَ، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ: هذا خَيرٌ مِن مِلءِ الأرضِ مِثلَ هذا)[صحيح البخاري].
فالعبرة ومقام المرء وقيمته هي بتقوى العبد وصلاحه ومقامه عند ربه، وإطلاقه ﷺ التفضيل على الغني المذكور لا يلزم منه تفضيل كل فقير على كل غني؛ فالمعيار في التفاضل الدين والتقوى، وليس الغنى والفقر.


اختبار للأخلاق:


وإذا كان اختلاف الأرزاق والمكانات من حكمة الله تعالى في خلقه، فإن الغنى ليس ترخيصًا بالتعالي، والمنصب ليس مبررًا لإهانة الآخرين، وكذلك، فإن فقر الإنسان أو بساطة مهنته أو محدودية نفوذه لا تسقط حقه في الاحترام، ولا تجعل كرامته أقل من كرامة غيره.
ومن الخطأ أن يظن صاحب المكانة أن الناس خُلقوا لخدمته، أو أن يتعامل مع العامل البسيط وكأن حاجته إلى المال تجعله أقل استحقاقًا للتقدير، فحاجة الإنسان إلى العمل لا تعني قبوله الإهانة، واختلاف موقعه الاجتماعي لا يلغي إنسانيته.
وإذا كانت مصالح الحياة تقوم على احتياج الناس بعضهم إلى بعض، فإن هذا الاحتياج ينبغي أن يُدار بالعدل والإحسان، لا بالاستغلال والاحتقار، وهنا تظهر القيمة الحقيقية لفهم حكمة التفاوت وهي أن يدرك الإنسان أن ما لديه ليس مبررًا للتكبر، وأن ما ينقص غيره ليس مبررًا لاحتقاره.


صور معاصرة:


ويتجلى التعالي في حياتنا اليومية في مواقف قد تبدو عابرة، لكنها تكشف نظرتنا الحقيقية إلى التفاوت ومن ذلك:
1-أن يتحدث شخص إلى عامل النظافة أو عامل التوصيل بفظاظة، أو يتركه ينتظر، كأنه لا يستحق الاعتذار أو الشكر، لمجرد أن عمله بسيط أو دخله محدود.
2-أن يدخل صاحب منصب إلى مؤسسة، فيحيّي المدير ويبتسم له، ثم يتجاهل عامل الأمن، وكأن قيمة الإنسان تتحدد بمقدار ما يستطيع تقديمه من منفعة أو نفوذ.
3-أن يسخر أحدنا من عامل البناء أو السباك أو الحرفي، ويصف عمله بأنه أدنى شأنًا، مع أن حياته اليومية لا تستقيم من دون أعمال هؤلاء الذين ينتقص منهم.
4-أن يُستبعد شخص من مجلس أو مناسبة؛ لأن ملابسه بسيطة أو لأن مهنته لا تليق، في حين يُحتفى بآخر لمجرد ثرائه أو مكانة أسرته.


تأمل حياتك:


فكم من إنسان تحتاج إلى عمله، وإن لم تلتفت إليه؟ 
وكم من شخص بسيط في مظهره أو مكانته يملك من الأمانة أو العلم أو الخلق ما تحتاج إليه؟ 
وكم من نعمة تتمتع بها تقوم على جهود أشخاص لا تعرفهم؟
فلا تجعل سعة رزقك سببًا للتعالي، ولا تجعل ضيق رزق غيرك سببًا لاحتقاره؛ فقد تتفاوت الأيدي فيما تحمل، لكن ذلك لا يمنح أحدًا حق إهانة الآخر.


خاتمة:


إن تفاوت الأرزاق سنة من سنن الله تعالى في خلقه، به تتكامل المصالح وتتبادل المنافع، فلا تجعل ما تملك سببًا لاحتقار من لا يملكه، ولا تجعل حاجة الآخرين إليك وسيلة لإذلالهم؛ فقد تحتاج غدًا إلى من لم تلتفت إليه اليوم.


اختر قيمة:


التواضع، أم الاحترام، أم العدل...أيها أقرب إلى معنى المقال برأيك؟
 

بحث
الأكثر تداولاً
صورة المستخدم
جاري التحميل

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة