البيوت هي المساحة التي يفترض أن تهدأ فيها نفوسنا، وتستريح فيها قلوبنا، وقد لفت القرآن الكريم الأنظار إلى هذه النعمة العظيمة، حين قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾.
المسكن والسكينة:
يذكّرنا الله تعالى في هذه الآية بنعمة قد يألفها الإنسان حتى ينسى قدرها؛ نعمة أن يكون له بيت يأوي إليه، ويحتمي به من تقلبات الجو ومشاق الحياة.
ولفظ السكن يحمل معنيين متكاملين؛ فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، وهو كذلك ما يجده فيه من سكون وراحة.
وقد يجتمع المعنيان في منزل واحد، حين تتوافر فيه أسباب الاستقرار المادي، ويجد أهله فيه الطمأنينة النفسية والأمان العاطفي، ومن ثم لا تنفصل نعمة المسكن عن مسؤولية أهله في أن يجعلوه موطنًا للراحة والأمان.
نعمة تتكامل مع السكينة:
وقد عدّ النبي ﷺ المسكن الواسع من أسباب السعادة، فقال:(مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ: الْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ) [صحيح الجامع].
ويشرع للإنسان أن يسأل ربه السعة في المسكن، قال ﷺ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي) [صحيح الجامع].
غير أن اتساع المنزل وحده لا يكفي لصناعة السكينة، كما أن ضيق المساحة لا يمنع بالضرورة وجود الألفة والطمأنينة.
فكم من بيت متواضع المساحة، يجد أهله فيه من المودة ما يجعلهم أكثر راحة، وكم من منزل واسع تتباعد فيه القلوب، فلا يجد أفراده في رحابته المادية ما يعوضهم عن غياب التواصل والاحتواء.
فالسكينة تبدأ من إدراكنا أن راحة البيت لا تصنعها الأشياء وحدها، وإنما تصنعها كذلك النفوس التي تعيش فيه.
﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾:
ومعنى السكن في القرآن الكريم يمتد إلى العلاقة الإنسانية التي يجد فيها المرء راحته واطمئنانه، يقول الله تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. ويقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾.
فالزواج في التصور القرآني علاقة جعل الله تعالى من غاياتها السكن؛ أن يجد الزوج في زوجته الألفة والطمأنينة، وأن تجد الزوجة في زوجها الأمان والمودة.
ومن هنا تلتقي دلالة السكن في الآيتين: فالبيت مكان يأوي إليه الإنسان طلبًا للراحة، والعلاقة الزوجية سكن يجد فيه القلب الألفة والطمأنينة، وإذا اجتمع سكن المكان وسكن العلاقة، أصبح البيت أقرب إلى الغاية التي أرادها الله تعالى لعباده.
آداب قرآنية تحفظ للبيوت سكينتها:
ولأن البيت موطن للخصوصية والراحة، وضع القرآن الكريم آدابًا تحفظ خصوصية أهله وتصون أمنهم، ليزدادوا سكينةً وأمانًا، ومن أبرز هذه الآداب:
أولًا: الاستئذان قبل الدخول
كما قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾. فالاستئذان احترام لحق الإنسان في أن تكون له مساحة خاصة لا يدخلها الآخرون إلا بإذنه.
ومن تمام هذا الأدب أن يراعي الإنسان خصوصية أقرب الناس إليه أيضًا، فلا يقتحم غرفة أحد أفراد الأسرة دون استئذان، ولا يفتش أغراض الآخرين، ولا يتعامل مع القرابة باعتبارها مبررًا لإهدار الحدود الشخصية.
ثانيًا: النهي عن التطلع إلى داخل البيوت
وذلك تأكيدًا لحرمة الحياة الخاصة، ففي الصحيحين أن رجلًا اطلع في جُحر في باب النبي ﷺ، وكان معه مِدْرًى يرجّل به رأسه، فقال له النبي ﷺ: (لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، طَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ)، ثم قال: (إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ).
وتتجلى أهمية هذا التوجيه اليوم في صور متعددة؛ فاحترام خصوصية أفراد الأسرة يشمل عدم نشر صورهم أو تفاصيل حياتهم دون رضاهم، وعدم التجسس على أجهزتهم أو رسائلهم، وعدم تحويل ما يُعرف عنهم داخل البيت إلى مادة للسخرية أو التشهير خارجه.
سلوكيات معاصرة قد تسلب البيوت سكينتها:
وقد تسلّلت إلى بيوتنا سلوكيات حوّلت لحظات الألفة إلى مساحات من الانشغال والانعزال والتوتر، حتى باتت بعض البيوت تفتقد السكينة، ومن ذلك:
أولًا: الانشغال بالهواتف
قد يجتمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، لكن كلًّا منهم يعيش في عالم منفصل خلف شاشة هاتفه، وتتبادل الأيدي الأجهزة بدلًا من الكلمات، وتمر اللحظات المشتركة دون حديث أو اهتمام.
ثانيًا: الصمت والانعزال
وتحوّل الانعزال إلى نمط دائم قد يحرم أفراد الأسرة من التواصل الذي يحتاجون إليه، فحين يعود كل فرد إلى غرفته، ولا يتبادل مع الآخرين إلا أقل الكلمات، قد يفقد البيت سكينته.
ثالثًا: الأنانية وتقديم الذات
تضعف السكينة حين ينظر كل فرد إلى البيت من زاوية احتياجاته وحدها؛ فيطالب بالراحة دون أن يراعي راحة الآخرين، وينتظر المساعدة دون أن يقدمها، ويريد أن يُفهَم دون أن يبذل جهدًا لفهم غيره.
رابعًا: شجار لا حوار
والبيت الذي يتوقع فيه أحد أفراده أن ينتهي كل نقاش بغضب أو إهانة قد يدفعه ذلك إلى الصمت، خوفًا من عواقب الكلام، ويفقد سكينته المرجوة.
كيف نصنع السكينة في بيوتنا؟
تتحقق السكينة بسلوكيات يومية بسيطة منها:
أولًا: الكلمة الطيبة
قد تكون كلمة بسيطة سببًا في عموم السكينة في البيت، وقد تظهر في طريقة السؤال، والتعبير عن الامتنان، والاعتذار عند الخطأ، وتقدير ما يبذله الآخرون من جهد.
ثانيًا: الرفق واللين
فالرفق يتيح للإنسان أن يصحح الخطأ دون أن يهين صاحبه، وأن يعبّر عن اعتراضه دون أن يحوّل العلاقة إلى خصومة، ويحتاج البيت إلى هذا المعنى في التعامل بين الزوجين، وفي تربية الأبناء، وفي العلاقة مع الوالدين.
ثالثًا: الحوار الهادئ
يساعد الحوار بين أفراد الأسرة على فهم جذور المشكلة وأسبابها، ويحوّل الخلاف من مصدر للتوتر إلى فرصة لفهم مشاعر الآخرين واحتياجاتهم؛ فحسن إدارة الاختلاف واحتوائه يُحدثان فارقًا في أجواء البيت، ويعززان المودة والراحة بين أهله.
رابعًا: المشاركة في تفاصيل الحياة
يسهم اجتماع الأسرة على مائدة الطعام، وتبادل الحديث عن أحداث اليوم، بعيدًا عن انشغال الشاشات، في تعزيز التواصل والألفة؛ فهذه اللحظات البسيطة تُهيئ للسكينة أن تسكن البيت وتترسخ في نفوس أهله.
خامسًا: الاحترام المتبادل
من علامات السكينة أن يجد كل فرد في البيت مكانته الإنسانية محفوظة؛ فيُوقَّر الكبير، ويُرحم الصغير، إذ كلما شعر أفراد الأسرة بأنهم موضع تقدير، أصبحوا أكثر سكينة وطمانينة.
خاتمة:
تكتمل نعمة السكن بما يجده أهله فيه من مودة ورحمة واحترام، فلنجعل بيوتنا ملاذًا من أعباء الحياة، لا عبئًا إضافيًّا، ولنتذكر أن السكينة لا تُنتظر من الآخرين وحدهم، بل يصنعها كل فرد بكلمته الطيبة وحسن معاملته.
سؤال المشاركة:
ما التصرف البسيط الذي ترى أنه يصنع فرقًا كبيرًا في راحة البيت وطمأنينة أهله؟
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy