من الكلمات القرآنية التي تختصر منهجًا كاملًا في التعامل مع الناس، قول الله تعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.
فبعد أن بعث الله أصحاب الكهف من نومهم، لم ينشغلوا بالخوض في أمرٍ لا فائدة منه، وردُّوا العلم إلى الله قائلين: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾، ثم انتقلوا إلى ما ينفعهم، فأرسلوا أحدهم ليشتري طعامًا.
وهنا يلفت القرآن الأنظار إلى وصية ذهبية، لم تكن متعلقة بالطعام أو المال، وإنما بالأخلاق والسلوك ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾: أي ليكن رفيقًا في ذهابه وإيابه، لطيفًا في كلامه، حسنًا في معاملته، متأنِّيًا في تصرفاته، لا يثير ريبة، ولا يوقع خصومة، ولا يلفت الأنظار إليه.
فالتلطف ليس مجرد أسلوب في الحديث، بل هو منهج حياة، يشمل الحركة والكلمة، والشراء والبيع، والدخول والخروج، والتعامل مع الناس.
وقد لخَّص الشيخ المعصراوي هذا المعنى بكلمات بليغة فقال: "كلَّما كبرت حجم المشاكل في حياتك قاومها باللُّطف والهدوء والتأنِّي، فأصحاب الكهف حينما تلطَّفوا في حلِّ مشكلتهم سخَّر الله لهم الكون كله عضدًا ومناصرًا."
فكثير من المشكلات لا تحتاج إلى قوة في المواجهة بقدر ما تحتاج إلى لطف في المعالجة، وهدوء في التصرف، وحكمة في اختيار الكلمات.
ولذلك كان اللطف من هدي النبي ﷺ في حياته كلها، حتى إن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما مرضت بعد حادثة الإفك، قالت: "فقدِمنا المَدينةَ، فاشتَكَيتُ حينَ قدِمتُ شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أصحابِ الإفكِ، لا أشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ اللَّطَفَ الذي كُنتُ أرى منه حينَ أشتَكي".
فجعلت من علامات محبته وعنايته ذلك اللطف الذي اعتادته منه ﷺ عند مرضها، مما يدل على أن اللطف كان خلقًا ملازمًا له في بيته، قبل أن يكون مع عامة الناس.
فاللطيف لا يجرح بكلامه، ولا يثقل على الناس بأفعاله، بل يجعل حاجاته موجزة، وتصرفاته هادئة، ويصنع الطمأنينة أينما كان؛ فيحب الناس قربه، ويرتاحون لوجوده.
فاجعل اللطف شعارًا في حياتك؛ فإن الكلمة اللطيفة، والطلب المهذب، والتصرف الهادئ، قد تحقق ما لا تحققه الشدة والغلظة.
اكتب في التعليقات:
اللهم ارزقنا اللطف









