﴿فَتَكُونُونَ سَوَاۤءࣰ﴾ .. لماذا يريدونك مثلهم؟!

﴿فَتَكُونُونَ سَوَاۤءࣰ﴾ .. لماذا يريدونك مثلهم؟!
2026/09/10

من طبيعة الإنسان أنه يستأنس بمن يشاركه أحواله ومشاعره وأفعاله؛ فالإنسان يجد في المشاركة والاجتماع نوعًا من الاستئناس والطمأنينة، وتلك طبيعة سارية في الخير والشر على حد سواء، ولذلك يفرح الإنسان بمشاركة أحبته أفراحَه، ويحزن لفراقهم، ويجد في وجود مَن يشاركه مصيبته عزاءً وسَلوى.

لكن هذا الاستئناس يأخذ مسارًا مرضيًّا وحيلة شيطانية خبيثة عند صاحب المعصية والانحراف؛ حيث يسعى جاهدًا إلى جر غيره إلى مثل ذنبه وانحرافه؛ حتى لا يبقى وحيدًا في طريق انحرافه، أو يشعر أن غيره أفضلُ منه أو أبعد عن المعصية؛ وهو يجد بهذا الفعل مُسكِّنًا لشعوره بالنقص، وهروبًا من لوم الضمير.

إن أصل السلوك السلبي لدى أهل الانحراف يكمن في عدم قدرتهم على تحمل رؤية الطُّهر والاستقامة في غيرهم؛ لأن وجود الصالحين حولهم يظل شاهدًا حيًّا على نقصهم وانحرافهم، ويُذكّرهم دائمًا بمهانة السقوط. ومن هنا تنشأ لديهم رغبة جامحة في تجريد غيرهم من فضيلته، حتى يزول هذا الفارق الإيماني الأخلاقي الذي يقضُّ مضاجعهم.

وقد كشف القرآن الكريم عن هذه القاعدة السلوكية في نفوس أهل الضلال، فقال تعالى: ﴿وَدُّوا۟ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَاۤءࣰۖ﴾ [النساء ٨٩]
تمنَّى هؤلاء المنافقون أن تكفروا كما كفروا (فَتَكُونُونَ سَوَاۤءࣰ)، أي: فتكونون كفّارًا مثلهم، وتستوون أنتم وهم في الشرك بالله(1).

وهو نفسه الأمر الذي أراده هؤلاء: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ نَصِیبࣰا مِّنَ ٱلۡكِتَـٰبِ یَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ وَیُرِیدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِیلَ﴾ [النساء ٤٤]

فصاحبُ السُّوء يريد أن يجرَّك إلى مستنقعِ سُوئه، والموظفُ المُرتشِي لن يرضى أن يزامله في العمل موظفٌ طاهرُ اليد يتحرَّى الحلال الطيب، والمرأة صاحبة السلوك المُنحرف ترغب في جرِّ كل النساء إلى رذيلتها، والشاب الذي يتعاطي المخدرات لن يُسرَّ حين يرى شبابًا واعيًا يرتادون المساجد … وإجمالًا فكل صاحب فعلٍ يُعيَّر به يحبُّ أن يشاركه كلُّ واحدٍ في معرته ليقلَّ مَن يعيره بذلك!

ولهذا، يُنسب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: "وَدَّتِ الزَّانيةُ أَنَّ النساءَ كلَّهنَّ زَنَيْنَ"(2) 

فاختر لنفسك من الآن مَن تستأنس به: فإما أن تجد من يأخذ بيدك إلى الطاعة، وإما أن تجد مَن يزين لك المعصية، ويجرك إليها!

💬هل مررت يومًا بمن حاول أن يجرّك إلى خطأ لأنه لا يريد أن يبقى وحده فيه؟
شاركنا رأيك في التعليقات

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري
(2) ذكره ابن قدامة في المغني (10/ 190).
 

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة