يبدو مفهوم العطاء في القرآن الكريم أوسع بكثير من مجرد المساعدة المادية؛ فهو يمتد إلى كل نعمة منحك الله إياها ويمكن أن ينتفع بها إنسان آخر.
فقد يحتاج شخص إلى من يسمعه، أو ينصحه، أو يكتب له، أو يحمل عنه شيئًا، أو يدله على الطريق، أو يقف إلى جواره في لحظة ضعف وارتباك.
عطاء يتجاوز المال:
ومن المعاني اللافتة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أن القرآن يذكّر الإنسان بنعمته وهو يطالبه بأن ينفع بها غيره. فالكاتب الذي أتقن الكتابة لم يصل إلى هذه القدرة من فراغ؛ إنها نعمة علّمه الله إياها، ومن ثم لا ينبغي أن يمتنع عن تسخيرها في قضاء حوائج الناس.
والآية وإن جاءت في سياق توثيق الديون، فإن معناها يفتح بابًا واسعًا في حياتنا: من علّمه الله علمًا، أو منحه مهارة، أو خبرة يحتاج إليها الناس، فمِن شكر هذه النعمة أن يجعل منها نفعًا يتجاوز ذاته.
همة تسبق السؤال:
ومن أجمل النماذج القرآنية التي تستحضر هذا المعنى قصة موسى عليه السلام عند ماء مدين.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾.
وموسى عليه السلام لم يقدم لهما مالًا، ولا طعامًا، ولا كساءً؛ رأى حاجة أمامه، وكان يملك القدرة على التعامل معها، فبادر إلى المساعدة دون أن ينتظر منهما سؤالًا أو طلبًا للمساعدة!
وهذا درس مهم في حياتنا اليومية: قد ترى شخصًا يحمل شيئًا ثقيلًا فتساعده، أو تجد كبيرًا يحتاج إلى إنجاز معاملة فتنجزها له، أو ترى شخصًا تائهًا فتدله.
عطاء متعدد:
ويأتي المعنى أكثر وضوحًا في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. فالآية لا تحصر معنى المساعدة والإحسان في صورة واحدة، وإنما تدعو إلى أن يرد الإنسان شيئًا من فضل الله عليه إلى عباده.
ومن هنا تتعدد صور المساعدة: بالمال، وبالجاه، وبالعلم، وبالخبرة، وبالوقت، وبالجهد، وبالتوجيه والنصيحة.
صورة بليغة:
ويصور القرآن العطاء صورة بليغة تمس القلوب الرقيقة والأنفس الراقية، حين تكون الحاجة في ذروتها، فيقول سبحانه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ*أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ*يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ*أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.
فتتدرج الآيات في صور من أعظم صور تفريج الكرب: تحرير إنسان، وإطعام الجائع في وقت المجاعة، ورعاية اليتيم، ومساعدة المسكين الذي بلغ به الفقر غايته.
وهنا يلفت القرآن النظر إلى إنسان في أشد لحظات ضعفه؛ ومن ثم فالمساعدة تعظم ويكثر خيرها حين يكون الآخر في أمسّ الحاجة إليها.
أعظم ما تقدمه:
وفي صحيح البخاري ما يوسع هذا المفهوم أكثر، فقد سأل أبو ذر رضي الله عنه النبي ﷺ عن أفضل الأعمال، فجاء في الحديث: (تُعينُ ضائعًا، أو تصنعُ لأخرق).
أي أن من صور المساعدة أن تساعد من لا يحسن تدبير أمره أو لا يستطيع إنجاز ما يريد، وهذه الصورة قريبة جدًا من تفاصيل حياتنا اليوم، ومنها:
شخص لا يعرف كيف يبدأ مشروعًا، فتدله.
وآخر يحتاج إلى نصيحة في قرار، فتشاركه.
وثالث لا يحسن إنجاز معاملة، فتساعده.
ورابع يواجه مشكلة، فتستخدم معرفتك لحلها.
وخامس يمر بموقف صعب، فتقف بجواره.
خاتمة:
لا تجعل المال الطريق الوحيد لمد يد العون والعطاء للآخرين، فمساعدة الناس تكون بما تستطيع أن تقدمه من علم أو وقت أو جهد أو كلمة؛ فكل نعمة عندك يمكن أن تكون بابًا لنفع إنسان آخر.
تحدي "انفع غيرك":
اليوم استخدم نعمة عندك لنفع شخص آخر.
واكتب في التعليقات (قبلت) لتحفيز غيرك على المشاركة.
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy