قد تنظر إلى أحوال الناس من حولك، فتتعجب: هذا غنيّ وأنا فقير، وهذا صحيح وأنا مريض، وهذا مُكرَّم وأنا دون ذلك، وهذا أُعطي ما حُرمت منه... لكن القرآن يلفت نظرك إلى معنى أعمق من مجرد تفاوت الأحوال، فيقول سبحانه:
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: 20].
فالناس في هذه الحياة قد يكون بعضهم اختبارًا لبعض.
يقول الطبري في تفسير الآية: إن الله امتحن بعض الناس ببعض؛ فجعل هذا نبيًّا، وهذا ملكًا، وهذا غنيًّا، وهذا فقيرًا، ليختبر كل واحد منهم فيما أعطاه وما حُرم منه.
ويبين ابن كثير أن معنى الآية: اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي.
وهكذا فالغني ليس في نعمة فقط؛ بل في اختبار: هل يشكر ولا يتكبر؟ وهل يرى في مالِه حقًّا للفقير؟ والفقير ليس في ابتلاء فقط؛ بل في اختبار: هل يصبر ولا يحسد؟ والصحيح يُختبر بصحته، والمريض بصبره، والقوي بما عنده من قدرة، والضعيف بما أُعطي من صبر.
ولهذا عبّر القرطبي في تفسيره عن المعنى بعبارة بليغة: «كل واحد مختبر بصاحبه».
والأمر لا يتوقف عند كونك مختبرًا بمن حولك؛ فقد تكون أنت أيضًا فتنةً لغيرك.
قد تكون صحتك اختبارًا لمن ابتُلي بالمرض، ونجاحك اختبارًا لمن تأخر نجاحه، وغناك اختبارًا لمن ضاقت به الدنيا، وعلمك اختبارًا لمن يجهل، ومكانتك اختبارًا لمن هو دونك.
ثم يأتي السؤال الذي لا ينبغي أن يمر على القلب مرورًا عابرًا:
﴿أَتَصْبِرُونَ﴾؟
الصبر هنا ليس أن تتوقف عن الشعور بالألم، ولا أن تنكر ما في النفس من حزن أو غيرة أو ضيق؛ وإنما أن يحبس الإنسان نفسه عن أن تدفعه الفتنة إلى ما لا يرضي الله.
تصبر حين ترى ما عند غيرك فلا تحسده، وتشكر حين ترى ما عندك فلا تبطر، وتصبر على من يؤذيك فلا تظلمه، وتتقي الله حين تكون أنت صاحب النعمة فلا تستعلي على من حُرم منها.
وفي ختام الآية يقول سبحانه:
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾.
يعلم من صبر ومن جزع، ومن شكر ومن بطر، ومن أدى حق الله وحق عباده ومن ضيّعه.
فقد لا تستطيع أن تختار كل من يكون اختبارًا لك، ولا تستطيع أن تمنع نفسك من أن تكون اختبارًا لغيرك؛ لكنك تستطيع أن تختار كيف تنجح في الاختبار.
فإذا ضاقت بك أحوال الناس، أو أوجعك تفاوت الدنيا، فتذكر سؤال الله:
﴿أَتَصْبِرُونَ﴾؟
شاركنا في التعليقات ماذا تعلمت من الفائدة؟
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy