كم مرة أمسكت هاتفك اليوم؟
ربما شاهدت عشرات المقاطع، وقرأت عشرات المنشورات، واستمعت إلى أخبار وتعليقات لا تتذكر معظمها.
تظن أنها لحظات عابرة، لكن القرآن يخبرك أن الأمر ليس كذلك، فيقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
نهى الله في هذه الآية عن اتباع ما لا يقوم على علم. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تقل ما لا تعلم، ولا تتكلم إلا بعلم.
وقال مجاهد: لا ترمِ الناس بما ليس لك به علم.
وبيَّن قتادة المعنى بقوله: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت ولم تسمع، ولا علمت ولم تعلم؛ فإن الله سائلك عن ذلك كله.
وذكر محمد بن الحنفية أن الآية تشمل شهادة الزور، لأنها من أعظم صور القول بغير علم.
ورجَّح الإمام الطبري أن الآية عامة في كل قول أو فعل أو حكم لا يستند إلى علم، فيدخل فيها الكذب، والبهتان، والقذف، واتباع الظنون.
وأكد ابن كثير هذا المعنى، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث».
أما القرطبي فنبَّه إلى أن السمع والبصر والفؤاد ستُسأل عمّا استُعملت فيه، أو تشهد على صاحبها يوم القيامة، وقرر الآلوسي أن الآية تشمل الاعتقاد والقول والعمل جميعًا.
تأمل ترتيب الآية؛ فلم يبدأ الله باللسان، بل بدأ بالسمع، ثم البصر، ثم الفؤاد.
لأن ما تستمع إليه وتشاهده اليوم، يصبح فكرةً في قلبك، ثم يتحول إلى كلمة على لسانك، أو منشور تنشره، أو موقف تتبناه.
وفي زمن الهواتف ووسائل التواصل، أصبحت العين ترى في دقائق ما لم تكن تراه في شهور، والأذن تسمع ما بين الحق والباطل، وأصبح نقل الأخبار والاتهامات لا يحتاج إلا إلى ضغطة زر.
لكن سهولة النشر لا تعني سقوط المسؤولية.
فاحفظ سمعك مما لا ينفع، وغض بصرك عما حرم الله، ولا تجعل قلبك مستودعًا للشبهات والشائعات. وتذكر دائمًا: قبل أن تنشر خبرًا، أو تصدّق إشاعة، أو تتابع ما لا يرضي الله، فإن هذه الجوارح نفسها ستقف بين يدي الله شاهدةً عليك، ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
ختامًا:
ما أكثر ما يحتاج إلى المراجعة في حياتنا اليوم: ما نسمعه، أم ما نشاهده، أم ما ننشره؟ ولماذا؟ شاركنا في التعليقات.









