قبل أكثر من 60 عاما، في أقصى الغرب الإفريقي، وتحديداً في جمهورية غامبيا، لم يكن الشاب "عثمان دابو" وأصحابه الأربعة يملكون من حطام الدنيا شيئاً، لكنهم كانوا يملكون قلوباً تفيض شوقاً لبيت الله الحرام؛ فتذاكروا، ذات يوم، قصة الخليل إبراهيم عليه السلام، فقال أحدهم: "نحن الآن شباب أصحاء، فما عذرنا عند الله إن قصّرنا في المسير إلى بيته؟!".
من هنا بدأت ملحمة الصبر؛ خرجوا من ديارهم ولا يملكون قوتاً يكفي لأسبوع واحد، فكان الزاد هو الإيمان، والراحلة هي الأقدام. قطعوا قارة إفريقيا من غربها إلى شرقها مشياً على الأقدام في رحلة استمرت سنتين كاملتين!
مرَّتْ عليهم ليالٍ يصارعون فيها الجوع حتى أشرفوا على الهلاك، وأخرى تطاردهم فيها السباع، وثالثة يتربص بهم فيها قُطَّاع الطرق. وفي لحظات الضعف الإنساني، حين لُدغ عثمان وأقعدتْه الحمى ووسوس له الشيطان بالندم على الخروج، ثبته صاحبه بآية من كتاب الله: ﴿وَٱسۡتَعِینُوا۟ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِیرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَـٰشِعِینَ ٤٥ ٱلَّذِینَ یَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَیۡهِ رَ ٰجِعُونَ ٤٦﴾ [البقرة ٤٥ - ٤٦ ]، فانشرح صدره ومضى يقتفي أثر النور.
كان ثمن الوصول باهظاً؛ فمن بين الرفاق الخمسة، تساقط ثلاثة في الطريق موتى بسبب شدة التعب والمرض، ليرحلوا إلى الله قبل أن تلامس أقدامهم أرض الحرم. وكان أحدُهم قد ترك وصية تهز الوجدان لصاحبيه: "إذا وصلتما إلى المسجد الحرام، فأخبرا الله تعالى شوقي للقائه، واسألاه أن يجمعني ووالدتي في الجنة مع النبي ﷺ".
وصل عثمان وصاحبُه -الناجي الوحيد معه- إلى جدة، وهناك اشتد عليه المرض حتى خشي أن يموت ولم تكتحل عيناه برؤية الكعبة؛ فأوضى صديقه "أنني إذا مت أن يكفنني في إحرامي، ويقربني قدر طاقته إلى مكة، لعل الله أن يضاعف لي الأجر، ويتقبلني في الصالحين".
ولكنَّ الله مدّ في عمره ليتحقق الحلم؛ دخل المسجد الحرام، وحين وقعتْ عيناه على الكعبة المشرّفة، سقط ساجداً يبكي كطفلٍ وجد أمه بعد طول غياب، وأقسَمَ بالله أنه لم يذُق في حياته لذةً كالتي غمرت قلبه في تلك اللحظة.
رحل الشيخ عثمان دابو عن دنيانا، لكن قصته بقيت صرخة في وجه كل "مُستطيع" يؤجّل ويُسوّف، ودرساً خالداً في أن المسافات لا تُقطع بالأقدام، بل بصدق العزائم وعظيم الأشواق.
اضغط هنا للاستماع للقصة
🕋 ما هو أكثر موقف أثر في قلبك من رحلة الرفاق الخمسة؟
شاركنا مشاعرك في التعليقات









