من سنن الله الجارية في هذه الحياة أن طريق الحق لا يخلو من المشقة، وأن أصحاب المبادئ والرسالات يلاقون من التعب والابتلاء ما يختبر صدقهم وثباتهم.
وتتجسد في القرآن الكريم معالم التربية الإلهية التي تصوغ النفس البشرية، فتنتشلها من وهاد الضعف واليأس إلى آفاق العزم واليقين.
ومن أبلغ الآيات التي رسمت هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
وقد نزلت هذه الآية بعد أُحد حين أثخنت الجراح المسلمين وكاد الوهن يسري إلى نفوسهم، فجاء القرآن يعيد بناء القلوب قبل معالجة الجراح، ويؤكد أن الألم وحده لا يصنع الهزيمة.
يبدأ الخطاب الإلهي بقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾، أي لا تضعفوا ولا تستسلموا.
فالوهن ليس مجرد تعبٍ يصيب الجسد، بل هو انكسار الإرادة وفقدان العزيمة. ولذلك كان أول ما عالجه القرآن هو ضعف النفوس؛ لأن الهزيمة الحقيقية تبدأ حين يستسلم القلب قبل أن يعجز البدن.
ثم يلفت القرآن الأنظار إلى حقيقة يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن الألم ليس خاصًّا بأهل الإيمان، بل هو سنة عامة في حياة البشر جميعًا؛ ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾. فخصوم الحق يتوجعون كما يتوجع المؤمنون، ويتحملون المشاق كما يتحملونها. ومن هنا يتبين أن التفوق لا يكون لمن يخلو طريقه من المتاعب، وإنما لمن يصبر عليها ويثبت عند نزولها.
لكن الفارق الجوهري بين المؤمن وغيره يظهر في قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. فالمؤمن لا ينظر إلى ألمه مجردًا، بل يربطه بوعد الله وثوابه ورضوانه.
إنه يحمل في قلبه رجاءً يحول الألم إلى أمل، والمحنة إلى منحة، ولذلك يستطيع أن يواصل الطريق حين يتوقف غيره.
وتختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ ليطمئن المؤمن أن الله يعلم جراحه وآلامه، وأن تدبيره قائم على الحكمة والرحمة. فإذا اجتمع الألم مع الرجاء، والمشقة مع اليقين، صار البلاء طريقًا إلى الرفعة والثبات.
ختامًا:
ماذا تفعل حين تشتد عليك المحن؟ شاركنا في التعليقات









