سورة الإنسان سورة مكية، عدد آياتها ثلاثون، لكنها ليست مجرد حديث عن الخلق والنهاية، بل رسالة وعي تُوقِف الإنسان أمام رحلته كاملة: بداية من عدم، ومرورًا بطريق التكليف، وانتهاءً بمصير لا مفر منه.
وسُمّيت بسورة الإنسان لأنها تخاطب أسمى المخلوقات، وتربطه بأسمى الغايات: الجنة.
تفتتح السورة بسؤال يوقظ الغفلة قبل العقل:
﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا﴾
فتُعيد الإنسان إلى لحظة لم يكن له فيها اسم ولا أثر. هذا التذكير لا يُراد به التحقير، بل تثبيت معنى التكريم بعد الخلق، وأن من وعى بدايته أدرك مسؤوليته في الطريق.
ثم تنتقل السورة لتهيئة الإنسان للتكليف، فتُبرز أدوات القوة التي أودعها الله فيه: السمع، والبصر، والهداية. فالقوة الحقيقية ليست في الجسد، بل في الوعي وحُسن الاختيار.
ومع هذا التكريم، تكشف السورة عن ضعف الإنسان؛ من عجلة، وجحود، ونسيان العاقبة، ليبقى بين طريق الشكر وطريق الكفر.
ويأتي قلب السورة في مشهد الأبرار، حيث تفصّل نعيم الجنة في أربع عشرة آية: ظلال لا شمس فيها، وطمأنينة لا اضطراب معها، ونعيم مقيم لا ينقطع، في مقابل آية واحدة لذكر عذاب الكافرين. وكأن السورة تقرر أن الرحمة هي الأصل، وأن العذاب استثناء بعد قيام الحجة.
وتكشف السورة سر هذا النعيم: أعمال صادقة، وإحسان خالص لا يُراد به مقابل.
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾
قال مجاهد رحمه الله: ما قالوها بألسنتهم، ولكن الله علمها من قلوبهم فأثنى عليهم بها. فصدق النية هو العمل الذي يبقى أثره ويعظم أجره.
ومن فضائل سورة الإنسان أنها من سور المفصّل الذي أُعطيه النبي ﷺ، وقد ورد في سنته العملية ما يدل على مكانتها؛ إذ كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة بسورتي ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ و﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ﴾، ويقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة و﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، رواه ابن عباس، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط.
ويدل هذا الاختيار المتكرر على أثر السورة في إيقاظ القلوب وتذكير الإنسان بحقيقته ومآله.
ومن التوجيهات الربانية في السورة:
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾
في إشارة إلى أن طريق الثبات طويل، وأعظم زاده السجود والاتصال بالله.
وختامًا:
أيُّ آيةٍ في سورة الإنسان لمست قلبك؟
ولا تنسَ الانضمام إلى قناة واتساب تطبيق مصحف المدينة لتبقى على صلة بكلام الله.









