حسن الأدب مع الأب.. من تعاليم أبينا إبراهيم عليه السلام

حسن الأدب مع الأب.. من تعاليم أبينا إبراهيم عليه السلام
2026/02/09

في عُمق الزمان، وفي أرض "بابل" المليئة بالأصنام التي تُعبد من دون الله، نشأ شابٌّ امتلأ قلبه بنور اليقين، هو سيدنا إبراهيم عليه السلام. لم يكن صراعه الأول مع جبارٍ أو ملك، بل كان صراعاً مع أحب الناس إلى قلبه؛ والده "آزر"، الذي لم يكن كافراً فحسب، بل كان يصنع تلك الأصنام بيده ويقدسها.

بأسلوبٍ يقطر رقةً وأدباً، بدأ الخليل دعوته. لم يقل "يا عابد الأصنام" أو "يا جاهل"، بل كرر نداء الاستعطاف (يَا أَبَتِ) أربع مرات. بدأ بسؤاله عن العقل: كيف تعبد ما لا يسمع ولا يبصر؟ ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِیهِ یَـٰۤأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا یَسۡمَعُ وَلَا یُبۡصِرُ وَلَا یُغۡنِی عَنكَ شَیۡـࣰٔا﴾ تلطف معه في إثبات فضل علمه فقال: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾؛ فكأنه يقول له: "أنا ابنك الذي تحب، لكن الله أطلعني على علمٍ غاب عنك، فاسمعه مني".


لم يكن سيدنا إبراهيم عليه السلام يهدف للانتصار في جدال، بل كان يرتجف خوفاً على والده.
وهنا تظهر عظمة هذه الآية: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّا﴾.
يقول الإمام الطبري في تأويلها: إن الخوف هنا بمعنى "العلم واليقين"، أي أن إبراهيم يعلم يقيناً أن الموت على الكفر هو الهلاك. بينما يرى الإمام  الشوكاني أن الخوف على ظاهره؛ لأن إبراهيم كان يطمع في إسلام أبيه حتى اللحظة الأخيرة.
لقد حذره من أن يكون (وَلِيًّا) للشيطان، وكما يقول الإمام القرطبي: أي قريناً له في النار. فالموالاة للشيطان في الدنيا بالاتباع، تؤدي بالضرورة إلى الموالاة في العذاب غداً.



كان رد أبيه "آزر" صادماً وقاسياً، حيث ثار في وجه ابنه قائلاً: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، والرجم هنا كما قال السدي وابن جريج: هو السب والشتم القبيح. ثم قام بطرده: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾، أي إرحل وأنت معافي من عقوبتي كما يراها المفسرون

انتهى الحوار بتهديد بالطرد والسب، لكن سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يرد الإساءة بمثلها، بل انسحب بمنتهى الرقي قائلاً: ﴿ سَلَـٰمٌ عَلَیۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّیۤۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِی حَفِیࣰّا﴾. لقد علمنا الخليل أن البر بالوالدين وحسن مخاطبتهم واجب لا يسقط حتى لو كانوا على غير الحق، فالمؤمن يقابل القسوة بالحلم، والجهل بالحكمة.

وختامًا: 
ندعوكم للترحّم على موتى المسلمين، ومن كان والداه في ذمّة الله فليجعل لهما دعوة صادقة 
شاركونا في التعليقات.


 

بحث

الأكثر تداولاً

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة