افتتح الله تعالى سورة الهمزة بقوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾، وهو افتتاح يحمل أشد ألفاظ الوعيد؛ فالويل يدل على الهلاك والخزي والعذاب الشديد، كما جاءت الآية بصيغة ﴿كل﴾ لتدل على عموم الوعيد لكل من اتخذ التنمر والسخرية من الناس عادةً وديدنًا.
معنى الهمز واللمز:
وقد تنوعت عبارات المفسرين في بيان معنى الهمز واللمز، لكنها ترجع إلى أصل واحد، وهو الطعن في الناس وإظهار عيوبهم والانتقاص منهم.
فالهمز يكون بالفعل والإشارة؛ كليِّ الوجه، أو الغمز بالعين، أو الإشارة بقصد السخرية والازدراء.
أما اللمز فيكون باللسان؛ بالعيب، والاستهزاء، والسب، وإطلاق الألقاب التي يكرهها الناس.
ويدخل في هذا أيضًا من يحاكي الناس في أقوالهم أو أصواتهم أو هيئاتهم ليضحك الآخرين عليهم، أو يلقبهم بما يكرهون، أو ينتقصهم بسبب لونهم أو شكلهم أو إعاقتهم.
ليست كلمات عابرة:
ولقد صور القرآن هذا السلوك تصويرًا بالغ القبح؛ لأنه يكشف عن نفس فقدت المروءة، وتجردت من الحس المرهف الذي يمنع صاحبه من احتقار الآخرين.
فالسخرية واللمز والاستهزاء هي انعكاس حقيقي لقسوة القلب وكبر النفس، وليست كلمات عابرة؛ ولهذا شدد القرآن في النهي عنها، وردع أصحابها بأشد ألفاظ الوعيد.
التنمر الإلكتروني:
والتنمر هو صورة معاصرة لما حذر منه القرآن، فالاسم تغير، أما الحقيقة فهي واحدة: إيذاء الناس بالقول أو الفعل أو الإشارة.
والتنمر الإلكتروني هو من أخطر تلك الصور، ويكون عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال التعليقات الجارحة، والتشهير، ونشر الصور والمقاطع، ويزداد خطره بسبب سرعة انتشاره وصعوبة إزالة آثاره.
صور التنمر المعاصرة:
• السخرية من المظهر أو الهيئة.
• إطلاق الألقاب الجارحة والعبارات المهينة.
• نشر الشائعات والإساءة إلى السمعة.
• التعليقات المسيئة عبر وسائل التواصل.
• التحقير والاستهزاء بالقدرات أو الإنجازات.
• التجاهل المتعمد وإشعار الآخرين بعدم القبول.
ما الفرق بين المزاح والتنمر؟
وقد أباح الإسلام المزاح الذي يشيع الألفة ويؤلف بين القلوب، وكان النبي ﷺ يمزح مع أصحابه وأهل بيته، ولم يكن مزاحه سببًا في جرح المشاعر أو الانتقاص من الكرامة.
أما التنمر فهو لون من ألوان العدوان والإيذاء، ولذلك كان محرمًا؛ لأنه يوقع الأذى في النفوس، وقد قال النبي ﷺ: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ).
خاتمة:
إن كل تعليق ينتقص من الآخرين، يدخل في دائرة هذا الوعيد، وإذا كان التنمر اليوم قد تغيرت وسائله، فإن حكمه لم يتغير؛ لأن حقيقته هي إيذاء الناس وكسر خواطرهم.
شاركنا رأيك:
أيهما يترك أثرًا نفسيًا أكبر: التنمر الإلكتروني أم التنمر المباشر؟
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy