الألدّ الخصِم: النموذج الأشَد خطرًا على العلاقات والقلوب

الألدّ الخصِم: النموذج الأشَد خطرًا على العلاقات والقلوب
2026/08/08

يرسم قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ صورةً دقيقة لنموذج من أخطر النماذج البشرية؛ إنسانٌ يملك لسانًا بليغًا، وكلامًا منمقًا، لكن قلبه ممتلئ بشدة الخصومة وحب الجدال.

من هو الألد الخصم؟
والألد هو شديد الخصومة، الذي يلتوي في جداله، ويستعمل كل وسيلة ليغلب خصمه، ولو كان يعلم أنه على باطل.
وقد وصفه القرآن بأنه ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ؛ أي شديد الجدال، لا يطلب الوصول إلى الحق، ويريد الانتصار لنفسه، فيجادل بالباطل، ويخاصم بغير علم، ويقلب الموازين حتى يبدو الباطل حقًا والحق باطلًا.

أبغض الرجال إلى الله:
ولشدة قبح هذا المسلك، حذر منه ﷺ فقال:(أبغضُ الرجالِ إلى اللهِ الألدُّ الخصِمُ). أي: يكرهه الله سبحانه كراهية شديدة؛ لأنه يجادل عن الباطل، وذلك يحمل على ضياع الحق، والمطل بالحقوق وظلم أصحابها، ونصرة الباطل.

الخصومة حين تفقد أخلاقها:
والخصومة في أصلها ليست محرمة، فقد يحتاج الإنسان إلى الدفاع عن حقه، أو رد ظلم وقع عليه، لكن الشدة في الخصومة شيء آخر؛ إذ يتحول الخلاف حينها من وسيلة للوصول إلى الحق إلى معركة لإسقاط الطرف الآخر.
وهنا تظهر خطورة الخصومة التي تتجاوز حدودها؛ فهي قد تفسد القلوب والعلاقات، وتحول الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى عداوة مستمرة.
فالمؤمن إذا اختلف مع غيره بقيت بينهما مساحة من الود والرحمة، أما اللدد في الخصومة فيستهلك تلك المساحة حتى لا يبقى في القلب موضع للسماحة.

منهج الإسلام في الخصومة والجدال:
وحتى لا تتحول الخصومة إلى عداوة مستمرة وضع الإسلام عدة ضوابط منها:
1-الجدال بالتي هي أحسن
قال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وهذا يكشف بوضوح أن منهج الإسلام لا يقوم على تفي الخصومة، وإنما على تهذيبها؛ فلا يكون القصد منها مجرد المغالبة أو إثبات الذات أو إذلال الخصم، وإنما بيان الحق، وإزالة الشبهة.

2/ السهولة واللين في التعامل
قال ﷺ: (حَرُم على النارِ كلُّ هيِّنٍ لينٍ سهلٍ قريبٍ من الناسِ) "هين"، أي: يتصف بالسكون والوقار، واللين في تصرفاته مع الناس "سهل"، أي: سهل المعاملة والخلق، ميسر على الناس.
وفي ذلك إرشاد منه ﷺ إلى السهولة في النقاش واللين في التعامل وترك التشدد والمبالغة في الجدال مع الخصوم.
واللين لا يعني التنازل عن الحق، إذ يمكن للإنسان أن يكون ثابتًا على موقفه، قويًا في حجته، وفي الوقت نفسه مهذبًا في عبارته، بعيدًا عن القسوة والجفاء.

3- ترك المراء ولو كان محقًا:
قال ﷺ: (أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لمن تركَ المِراءَ وإنْ كان مُحقًّا). و"أنا زعيم"، أي: ضامن وكفيل، "ببيت"، أي: قصر، "في ربض الجنة"، أي: نواحيها وأطرافها، "لمن ترك المراء"، أي: الجدال، "وإن كان محقا"، أي: فيما يقول؛ وهذا لما فيه من الحفاظ على النفوس وما يتسبب فيه شدة الجدال من خلاف وشق للصفوف.

شاركنا رأيك:
إذا وجدت نفسك في نقاش عقيم وأنت على حق، هل تختار الاستمرار لإثبات وجهة نظرك أم تترك الجدال طلبًا لراحة البال؟

 

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة