الإنسان بطبيعته يخطئ ويصيب، والمشكلة تبدأ حين يتحول الخطأ إلى مكابرة، وقد يكون الاعتذار أقصر طريق لإصلاح ما أفسدته لحظة الخطأ.
قصة ونموذج:
ولهذا يقدم القرآن نموذجًا بالغ الدلالة في قصة يوسف عليه السلام؛ فإخوته الذين ألقوه في الجب، وباعوه، وأبعدوه عن أبيه، عادوا ليعترفوا بخطئهم أمامه صراحة: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾.
فهم لم يبحثوا عن أعذار يعلقون عليها أفعالهم، ولم يقولوا كما يقول بعضنا "كانت الظروف أقوى مني"! بل واجهوا الحقيقة كما هي ﴿وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾.
الاعتذار الصادق:
والاعتذار الصادق لا يمحو الخطأ، لكنه يقدم في الوقت ذاته رسالة للطرف الآخر: أنا أدرك أن ما حدث آذاك، وهذا وحده يمكن أن يغير كثيرًا في العلاقات.
فالزوج الذي يعتذر لزوجته؛ لأنه أهانها يقول بصورة متحضرة: كرامتك تهمني.
والزوجة التي تعتذر لزوجها؛ تبعث برسالة مفعمة بالحب: كرامتي فوق الرأس والعين.
وإذا أخطأ الأب في حق ابنه، ثم قال له: أنا ظلمتك عندما حكمت عليك قبل أن أسمعك، وأعتذر منك، فقد أعطاه درسًا عمليًا.
وعندما تخطئ الأم في حق ابنتها، ثم تقول: كنت قاسية معك في حديثي، فهي تبني في ابنتها قدرة على الاعتراف بالخطأ.
كيف تعتذر؟
وقد نقول آسف بطريقة تجعل الطرف الآخر أكثر غضبًا، حين يكون الاعتذار محملًا باللوم والعتاب.
مثل أن يقول الزوج: آسف، لكن أنت التي استفززتني!
أو تقول الزوجة: أنا آسفة، لكنك لا تفهمني!
أو يقول الأب لابنه: آسف إذا كنت غضبت لكنك لم تفهم مرادي!
وفي هذه الصياغات يبدو الاعتذار موجودًا، لكن المسؤولية عن ارتكاب الخطا غائبة، فالاعتذار الأقرب إلى الصدق هو الذي يحدد الخطأ بوضوح: لقد أخطات وأطلب منك قبول اعتذاري.
متى تعتذر؟
والاعتذار في الوقت المناسب ليس تفصيلًا صغيرًا، فإذا أدركت أنك أخطأت، فلا تجعل الكبرياء يمنحك وقتًا للابتعاد.
فربما كلمة قاسية قيلت في لحظة غضب، كان يمكن أن تنتهي بعد دقائق بكلمة أعتذر، لكنها تُترك يومًا بعد يوم، حتى تتحول إلى صمت، ثم إلى جفاء، ثم إلى مسافة لا يعرف الطرفان كيف بدأت ولا إلى أين تنتهي.
قبول الاعتذار:
ومن أجمل ما في قصة يوسف عليه السلام أن إخوته اعتذروا، لكنه لم يحول اعتذارهم إلى جلسة محاكمة جديدة، قالوا: ﴿وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾. فكان جوابه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾.
والتثريب هو اللوم والتوبيخ، فهو لم يستغل لحظة ضعفهم ليعيد تذكيرهم بما فعلوه، ولم يجعل قبول الاعتذار وسيلة لإذلالهم، وهنا تظهر قيمة أخرى ملازمة لثقافة الاعتذار: ثقافة قبول الاعتذار.
فليس المطلوب أن نطالب الناس بالاعتذار ثم نستخدم اعتذارهم ضدهم، فقبول الاعتذار يعني أنك اخترت ألا تجعل الخطأ يعيش معك إلى الأبد.
الغاية الأجمل:
والأجمل في موقف يوسف عليه السلام أنه لم يكتفِ بإسقاط اللوم، وإنما قال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وهذه هي الغاية الأجمل من الاعتذار: ألا نبقى أسرى للحظة الخطأ.
فالزوجان لا يحتاجان بعد كل خلاف إلى فتح سجل كامل للأخطاء السابقة.
والأب لا يحتاج في كل خلاف مع ابنه إلى تذكيره بما فعله قبل سنوات.
والصديق الذي اعتذر لك لا ينبغي أن تظل تستخدم خطأه القديم في كل نقاش جديد.
فإذا قبلنا الاعتذار، فلنقبله حقًا، ولا نحوله إلى ملف مؤجل نستخدمه حين الضرورة.
خاتمة:
ليس العيب أن يخطئ الإنسان؛ فالخطأ جزء من بشريته، وإنما العيب أن يرى خطأه ثم يختار المكابرة، أو أن يجرح إنسانًا ثم يعتبر الاعتذار انتقاصًا من قدره.
تحدي اليوم:
اعتذر لمن أخطأت في حقه، أو اقبل اعتذار من أخطأ في حقك..اكتب (قبلت) في التعليقات
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy