ليس كلُّ من قرأ القرآن صار إمامًا فيه… ولكن هناك رجالٌ اصطفاهم الله ليكونوا حُرّاس الأداء، ومنهم خلّاد بن خالد.
يُعَدّ خلّاد بن خالد أحد الأعلام البارزين في تاريخ القراءات القرآنية، ومن الرواة الثقات الذين حفظوا كتاب الله أداءً وضبطًا.
وُلد في الكوفة، ونُسب إليها، وعُرف بكنيته أبي عيسى – وقيل: أبي عبد الله – وكان مولى لبني شيبان، وعمل بالصيرفة، غير أن شرفه الحقيقي تجلّى في خدمته للقرآن تعلُّمًا وتعليمًا.
برز خلّاد في طبقة متقدمة من حفاظ القرآن، حتى عدّه الذهبي من علماء الطبقة السادسة، كما أثبته ابن الجزري ضمن كبار أئمة هذا الفن.
وقد تلقّى القراءة عن نخبة من الشيوخ، فقرأ على سُلَيم بن عيسى، وكان من أضبط أصحابه وأجلّهم، كما أخذ عن حسين بن علي الجعفي، وعن أبي جعفر محمد بن الحسن الرؤاسي، فاجتمع له تنوّع في الأسانيد ودقة في الأداء.
ولم يقف عند التلقي، بل تصدّر للإقراء، فأخذ عنه جمع كبير من التلاميذ، منهم أحمد بن يزيد الحلواني، وإبراهيم بن علي القصّار، ومحمد بن شاذان الجوهري، والقاسم بن يزيد الوزّان، وسليمان بن عبد الرحمن الطلحي، وغيرهم، حتى أصبحت روايته طريقًا معتبرًا في نقل قراءة الإمام حمزة بن حبيب الزيات، وانتشرت قراءته في الأمصار.
قال عنه أبو العباس بن محمد الدُّوريُّ: ما رأيتُ أقرأَ للقُرآن من خلف، ما خلا خلَّاد المُقرىء
وقد وصفه الذهبي بأنه إمام في القراءة، ثقة، عارف، محقق، أستاذ”، وهي شهادة تعكس إحكامه لهذا العلم.
كما كان له نصيب في الحديث، إذ روى عن زهير بن معاوية والحسن بن صالح، وروى عنه أبو حاتم الرازي وأبو زرعة، ووثّقه أبو حاتم بقوله: “صدوق”، مما يدل على رسوخ قدمه في الرواية.
ومن دلائل مكانته أن ابن الجزري اختار له ثمانية وستين طريقًا في روايته، وهو ما يعكس سعة علمه وقوة ضبطه، ويؤكد أنه من أعمدة هذا الفن.
توفي خلّاد سنة 220هـ بالكوفة، بعد حياةٍ عاشها في خدمة القرآن، فبقي أثره حيًا في الأسانيد، ودليلًا على أن العلم إذا اقترن بالإتقان خلّد صاحبه.
رحل خلّاد، لكن بقي أثره في صدور القرّاء… وتلك حياة لا تنقضي.
شاركنا فى التعليقات
من رأيك… هل سرُّ تميّز العلماء في كثرة ما تعلّموا، أم في دقة ما نقلوا؟









