يدور الإنسان في فلك الحياة بين مواقف تتبدل وأحوال تتغير، غير أن الميزان الحقيقي لجوهر المرء يكمن في مدى ثباته على مبادئه، وصدقه في غدوه ورواحه.
يقول تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِی مُدۡخَلَ صِدۡقࣲ وَأَخۡرِجۡنِی مُخۡرَجَ صِدۡق﴾. وفي هذا التوجيه الإلهي دعاءٌ يعلمه الله لنبيه ﷺ ولأمته من بعده؛ بالصدق في كل مقام.
ولم يقتصر النص على طلب الصدق كصفة مجردة، بل أضاف المدخل والمخرج إليه مدحًا وتعظيمًا، لتكون رحلة الإنسان كلها قائمة على الوفاء لمبادئه وقيمه.
ولقد تجسد هذا الصدق المطلق في سيرة النبي ﷺ، الذي عاش ثابتًا على قيمه حتى لحق بالرفيق الأعلى، دون تبدل أو تلون.
فحين سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان بن حرب (وكان وقتها مشركًا): فهل كُنتُم تَتَّهِمونَه بالكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قال؟، أجاب بحسم: لا.
وبعد عشرين عامًا من العداء والمواجهة مع أهل مكة، دخلها النبي ﷺ فاتحًا منتصرًا، لكنه لم يَدخل بكبرياء المنتقمين، بل دخلها مطأطئ الرأس تواضعًا، مؤكدًا أن تقلب الأحوال وتغير موازين القوة لا يغير النفس العظيمة.
وفي مقابل الثبات النبوي، يبرز صنف من البشر تشهد بداياتهم بالخير والصلاح، وتفضح نهاياتهم سوء السريرة والتقلّب.
وقد صوّر القرآن الكريم هذا الصنف في قوله تعالى: ﴿وَمِنۡهُم مَّنۡ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَىِٕنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ * فَلَمَّاۤ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ * فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقࣰا فِی قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ یَوۡمِ یَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَاۤ أَخۡلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ یَكۡذِبُونَ﴾.
لقد عاهدوا الله في البداية بصدق المدخل ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ﴾، لكن عند الامتحان تكشّف زيفهم، ففضح الله مخرجهم بـ ﴿بِمَاۤ أَخۡلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ یَكۡذِبُونَ﴾.
وجاء التعبير بصيغة ﴿كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ليدل بفعل (كان) على تمكن الكذب في نفوسهم واستقراره، وبالمضارع (يكذبون) على تكرره وتجدده في سلوكهم.
وهذا الانفصام بين البدايات والنهايات نعيشه ونراه في تفاصيل الحياة اليومية:
في العلاقات الإنسانية والزواج: تجد المرء في البدايات رقيقًا، عاطفًا، وجوادًا، فإذا وقع الفراق، استحال عبوسًا، شديدًا، وكأن أيام الود والمحبة لم تكن شيئًا مذكورًا.
وفي الشراكات والمال: يبدأ البعض بروح لينة، سمحة، يملؤها حسن النية والتعاون، فإذا انقضت الشراكة أو حدث الخلاف، تحولوا إلى خصوم أشداء، يجحدون المعروف، وينسون سنوات العشرة.
شاركنا الرأي:
هل تتفق أن النهايات تكشف حقيقة البدايات؟









