المصحف قريب.. والقلب بعيد!.. فكيف تعيد صلتك بالقرآن؟

المصحف قريب.. والقلب بعيد!.. فكيف تعيد صلتك بالقرآن؟
2026/10/09

من عجيب المعاني التي استشعرتْها أم أيمن رضي الله عنها، حاضنة رسول الله ﷺ، حين زارها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، بعد وفاة النبي ﷺ، أنها بكتْ حين رأتْهما؟! فظنُّ العُمَرانِ أنها إنما تبكي حزنًا وأسفًا على فراقه ﷺ، لكنها أوضحت لهما: "ما أبكي أن لا أكونَ أعلَمُ أنَّ ما عِندَ اللهِ خَيرٌ لرَسولِه ﷺ، ولَكِن أبكي أنَّ الوحيَ قدِ انقَطَعَ مِنَ السَّماءِ"(1).
لقد استشعرتْ أم أيمن رضي الله عنها أن الأرض بانقطاع الوحي قد أظلمت؛ إذ كان نزوله رحمةً ونورًا يربط أهل الأرض بالسماء. فلأجل هذا الانقطاع الاضطراري الذي وقع بوفاة النبي ﷺ بكت أم أيمن، وما إن تنبّه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لهذه الحقيقة العظيمة حتى حركت فيهما مكامن الشجن فجعلا يبكيان معها.
يذكِّر هذا الانقطاع للوحي الذي أبكى ثلاثتهم رضي الله عنهم بفتور الوحي عن رسول الله ﷺ في حياته المباركة، حتى شق ذلك عليه فأحزنه، وكان يتشوف إلى عودته، راغبًا في الأنس به بعد الذي أصابه من وحشة!
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ رحمه الله:
" ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فتْرةً مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى شقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَأَحْزَنَهُ ، فَجَاءَهُ جبريلُ بِسُورَةِ الضُّحَى ، يُقسم لَهُ رُّبه، وَهُوَ الَّذِي أَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ ، مَا ودَّعه وَمَا قَلاَه"(2).
فحين انقطع الوحي من السماء أحزن ذلك رسولَ الله ﷺ، وأحزن مِن بعده أمَّ أيمن والعُمرَيْنِ أبا بكر وعمر رضي الله عنهم جميعا، فما بالُنا اليوم -وكلام الله بين أيدينا في المصاحف وعلى هواتفنا، نستطيع في كل وقت أن نتلوه فنصل قلوبنا بكلام رب العالمين- يقطع أحدُنا صلته بالقرآن بإرادته واختياره وهو لا يبالي ولا يشعر بالوحشة ولا يأسى على ما فاته من الخير؟! 
فالمؤلم حقًا أن يكون القرآن قريبًا منا، ثم نكون نحن البعيدين عنه؛ أن يكون المصحف في بيتك، وتطبيق القرآن في هاتفك، وتستطيع أن تقرأ أو تسمع أجمل التلاوات في أي وقت، ثم تمر الأيام دون ورد، والأسابيع دون تدبر، وربما الأشهر دون أن تحفظ آية جديدة أو تراجع ما حفظته!

كيف تعيد صلتك بالقرآن؟

فإن كان حالك كهذه الحال فلعل استشعار حسرة انقطاع الوحي التي بكى لأجلها الصحابةُ وحزن لأجلها الرسول ﷺ، يحثك على إعادة وصل ما انقطع مع كتاب الله، ونزيدك هنا بعض الوصايا التي تساعدك على هذا الأمر:
1- التوبة الصادقة وإزالة الموانع
غالباً ما يقع الانقطاع بسبب الذنوب والانشغال بالفضول من الكلام والأنشطة؛ فالمعاصِي تُثقل العبد عن طاعة ربّه وتزهّده في كلامه. فجدّد التوبة، وسلِ الله أن يرفع عن قلبك الأقفال والغشاوة.

2- ابدأ بالقليل.. لكن لا تنقطع
لا تجعل شعورك بالتقصير يدفعك إلى وضع خطة ضخمة لا تستطيع الاستمرار عليها.
ابدأ بصفحة واحدة يوميًا، أو بضع آيات، واجعل لك وقتًا ثابتًا لا تتنازل عنه.
فالمقصود ليس أن تقرأ كثيرًا في يوم ثم تنقطع أيامًا، وإنما أن تجعل للقرآن مكانًا ثابتًا في حياتك.

3- عُد إلى الحفظ ولو بآية
إن كنت قد حفظتَ القرآن ثم انقطعتَ عن مراجعته، فلا تقل: لقد نسيتُ كثيرًا، ولا تجعل كثرة ما فاتك سببًا لترك ما بقي.
افتح السورة التي كنت تحفظها، وابدأ من الموضع الذي تستطيع؛ آية واحدة، ثم آية أخرى.
المهم أن تعود العلاقةُ بين قلبك والآيات.
فالقرآن الذي حفظته يومًا ليس غريبًا عنك، وإنما يحتاج إلى أن تعيد وصله ومودته.

4- لا تجعل التلاوة بلا فهم!
من أجمل ما يعيد للقرآن حضوره في القلب أن تعرف ماذا تقرأ
اقرأ الآية، ثم توقف عند معناها.. اسأل نفسك: ماذا تقول هذه الآية لي؟ ماذا تريد مني؟ ما الخُلُق الذي تدعوني إليه؟ وما الخطأ الذي تحذرني منه؟
فالقرآن ليس كتابًا يُقرأ باللسان فقط، وإنما كتاب هداية وتدبر وعمل.
قال الله تعالى:
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ مُبَـٰرَكࣱ لِّیَدَّبَّرُوۤا۟ ءَایَـٰتِهِۦ وَلِیَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ﴾ [ص ٢٩] 

5-  اجعل لك صحبة يومية مع القرآن
استمع إلى تلاوة في وسائل المواصلات أو أثناء القيادة  أو المشي أو الأعمال التي لا تحتاج إلى تركيز ذهني.
واختر قارئًا تحب صوته، وسورة تجد في تلاوتها أُنسًا.
فقد تكون البداية أحيانًا بمجرد الاستماع، ثم يتحول الاستماع إلى رغبة في القراءة، ثم إلى حفظ، ثم إلى تدبر.

6- لا تنتظر اللحظة أو الهيئة المثالية!
من أكثر الأشياء التي تعطل العودة إلى القرآن أن يقول الإنسان: عندما أجد وقتًا مناسبًا، أو عندما يصفو ذهني، أو عندما أشعر بخشوع سأعود.
ابدأ أولًا، وسيأتي الشعور بعد ذلك.
فالقلوب لا تنتظر دائمًا حتى تنشط، وإنما تحتاج أحيانًا إلى أن تقودها إلى الطاعة حتى تألفها من جديد.

7-الدعاء والانطراح بين يدي الله
القرآن مأدبة الله في أرضه وهدايته، ولا يُوفق للتعلق به إلا من أعانه الله؛ فادعُ اللهَ بصدق في سجودك وخلواتك بمثل هذه الدعوات: 
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجَلاء حزني، وذهاب همي.
اللَّهُمَّ ذَكِّرْنِي مِنْهُ مَا نُسِّيتُ وَعَلِّمْنِي مِنْهُ مَا جَهِلْتُ وَارْزُقْنِي تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ والنهار، وَاجْعَلْهُ لِي حُجَّةً يَا رَبِّ الْعَالَمِينَ. 
اللهم اجعلني من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك!

وأخيرا .. أيها الموفَّق!

إن كان الوحي قد انقطع عن الأرض بوفاة النبي ﷺ، فإن أثره ونوره المحفوظ بين دفتي المصحف لم ينقطع؛ فهو غضٌّ طري كما أُنزِل. والموفَّقُ هو مَن يبادر قبل أن تُطوى الصحف، فيُحيي في قلبه ما أظلم، ويصل ما انقطع، ليكون من أهل الله وخاصته. 
فبادر الآن وأعد للقرآن مكانه في يومك.. ومكانته في قلبك!

هل تشعر أن صلتك بالقرآن تحتاج إلى تجديد؟👀
شاركنا إجابتك في التعليقات


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (2454).
(2) سيرة ابن هشام (1/ 225).

صورة المستخدم

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة