الإيمان بالله تعالى يقين يثمر عبادةً صادقةً، وعملًا صالحًا، وثقةً بالله في السراء والضراء، وهو أصل الدين وأساس كل خير، وبه يعرف الإنسان ربَّه، ويطمئن قلبه، ويستقيم طريقه.
التوحيد غاية إرسال الرسل:
ولقد أرسل الله تعالى الرسل إلى الناس ليدعوهم إلى توحيده وإفراده بالعبادة، ويخرجوهم من عبادة المخلوقين إلى عبادة رب العالمين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
وتبين هذه الآيات أن دعوة الرسل جميعًا قامت على أصل واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له؛ فمهما اختلفت الأمم والأزمان، ظل التوحيد أساس الرسالات وغايتها، ومن هنا كانت معرفة الله والإيمان به أول الطريق إلى صلاح القلب واستقامة الحياة.
وجوب الإيمان بالله:
ومن ثم فإن الإيمان بالله واجب على كل مخلوق، فهو سبحانه خالق السماوات والأرض، ومالك الملك، والمدبر لشؤون خلقه، لا إله يستحق العبادة سواه، وهو وحده المحيي والمميت. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
فالآية تدعو الناس إلى الإيمان بالله، وتذكرهم بأن ملك السماوات والأرض وتدبيرهما له سبحانه وحده، وأنه المستحق للعبادة دون سائر المخلوقات.
وحين يستقر هذا المعنى في القلب، يدرك الإنسان أن أمره كله بيد الله، فيلجأ إليه، ويستعين به، ويتوكل عليه، ويوقن أن الخير بيده سبحانه.
وقد بيَّن النبي ﷺ وجوب الإيمان بالله في حديث جبريل عليه السلام فقال: (الإيمانُ أن تُؤمِنَ باللهِ ومَلائِكَتِه، وكُتُبِه، وبلِقائِه، ورُسُلِه وتُؤمِنَ بالبَعثِ) [متفق عليه].
ويشمل الإيمان بالله التصديق بوجوده سبحانه، والإقرار بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، مع الانقياد له بالمحبة والتعظيم والطاعة. فكلما ازداد العبد معرفةً بربه، ازداد حبًّا له، وخشيةً منه، ورجاءً لرحمته، وثقةً بحكمته وتدبيره.
مقتضيات الإيمان بالله تعالى:
وللإيمان بالله مقتضيات تظهر في اعتقاد العبد وعبادته وسلوكه، وهي:
أولا:الإيمان بربوبية الله تعالى، وهي أن يعتقد العبد اعتقادًا جازمًا أن الله وحده رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق والرازق، والمحيي والمميت، والمتصرف في شؤون خلقه، بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، لا شريك له في ذلك، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
فإذا أيقن الإنسان أن الله هو الخالق والرازق والمدبر، تعلَّق قلبه به، ولم يجعل رزقه أو مستقبله أو طمأنينته رهينةً بأيدي الناس.
ثانيًا: إفراد الله تعالى بالعبادة، والمقصود بذلك أن يفرد العبد الله تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، قولًا وعملًا، فلا يصرف الدعاء والاستغاثة والنذر والذبح وسائر العبادات إلا له سبحانه، مع إخلاص النية له في أعماله، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
وتظهر حقيقة هذا الإخلاص حين يكون الله تعالى أحبَّ إلى العبد من كل شيء، فيعبده محبةً وتعظيمًا، ويرجو رحمته، ويخاف عقابه، ويجعل رضاه غايته في أقواله وأعماله.
ثالثًا:الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وذلك بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته الصحيحة من الأسماء الحسنى والصفات العلى، على الوجه اللائق بجلاله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾.
ومعرفة أسماء الله وصفاته باب عظيم من أبواب محبته؛ فحين يعلم العبد أن الله رحيم، يرجو رحمته، وإذا علم أنه غفور، لم يقنط من مغفرته، وإذا أيقن أنه سميع بصير، راقب أقواله وأعماله، وإذا عرف أنه حكيم، اطمأن إلى حكمته.
ثمرات الإيمان بالله:
ويمتد أثر الإيمان بالله إلى حياة الإنسان كلها، فيمنحه الطمأنينة، ويهديه إلى الخير، ويعينه على مواجهة الابتلاءات، ويرجو به عفو الله ورضوانه، ومن أبرز ثمراته:
1-تكفير السيئات ومغفرة الذنوب
من ثمرات الإيمان بالله والعمل الصالح أن يكفِّر الله عن عبده سيئاته، ويمحو عنه آثار ذنوبه بفضله ورحمته. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾.
فالإيمان الصادق يدفع صاحبه إلى التوبة والاستغفار والإحسان، ويجعله لا ييأس إذا أخطأ، بل يعود إلى الله نادمًا، راجيًا عفوه ومغفرته.
2-الفوز بالجنة والنجاة من النار
من أعظم ما يرجوه المؤمن لقاء الله تعالى والفوز برضوانه ودخول جنته، حيث النعيم المقيم الذي لا ينقطع الذي هو ثمرة من ثمرات الإيمان. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. وفي الصحيحين من حديث جبريل للنبي ﷺ (بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الْجَنَّةَ).
وهذه البشارة تفتح للمؤمن باب الرجاء، وتدفعه إلى المحافظة على التوحيد والإخلاص والعمل الصالح، مع الحذر من الذنوب، وسؤال الله الثبات وحسن الخاتمة.
3- الحياة الطيبة وطمأنينة القلب
يمنح الإيمان بالله صاحبه حياةً طيبة، التي لا تعني خلو الحياة من المشكلات والابتلاءات، وإنما تعني أن يجد القلب سكينته في القرب من الله، وأن يستمد قوته من الثقة به والرضا بقضائه. قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. فالمؤمن يجد في الصلاة والدعاء والذكر والصبر ما يعينه في حياته.
4-هداية القلب عند المصائب
من ثمرات الإيمان أن يهدي الله قلب عبده عند نزول المصائب، فيرزقه الصبر والاحتساب، ويعينه على التسليم لقضائه، مع الأخذ بالأسباب المشروعة لدفع الضرر. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
فالمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيسترجع عند المصيبة، ويستعين بالله، ولا يسمح للحزن أن يقطع صلته بربه.
5-الثبات في الدنيا والآخرة
يثبِّت الله المؤمنين بفضل إيمانهم، فيعينهم على التمسك بالحق، والثبات أمام الفتن، ويرزقهم الثبات عند السؤال في القبر. قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
فالإيمان يمنح صاحبه أساسًا يرجع إليه حين تضطرب الأحوال؛ فلا تجرفه كل شبهة، ولا تصرفه كل شدة عن الحق.
6-الأمن والهداية
من ثمرات الإيمان بالله أن ينال العبد الأمن والهداية بقدر ما يحققه من الإيمان ويبتعد عنه من الشرك والظلم. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
والظلم في هذه الآية هو الشرك، وبينه قول الله تعالى على لسان لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فكلما صحَّ توحيد العبد، واستقام على طاعة الله، كان أرجى لنيل الأمن والهداية.
التحذير من الشرك بالله:
وإذا كان التوحيد أصل الدين وأعظم أسباب النجاة، فإن الشرك بالله من أعظم الذنوب وأخطرها؛ لأنه صرف لحق الله الخالص إلى غيره، ومناقض للغاية التي خُلق الإنسان من أجلها، وقد حذَّر الله تعالى منه تحذيرًا شديدًا، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.
وتبيِّن الآية عِظَم خطر الشرك، وأن من مات عليه من غير توبة لا يغفر الله له، أما ما دونه من الذنوب فهو داخل تحت مشيئة الله؛ إن شاء غفر لصاحبه، وإن شاء عذَّبه.
والشرك أعظم الظلم؛ لأنه تسوية بين الخالق والمخلوق، وصرف لحق الله في العبادة إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا إلا بإذن الله. قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾.
صور من الشرك ونواقض الإيمان:
وتتعدد صور الشرك ونواقض الإيمان، وقد بيَّن القرآن الكريم والسنة النبوية خطورتها، وحذَّرا منها؛ لذا ينبغي للمسلم أن يتعرف عليها ويحذر منها، ويرجع إلى أهل العلم فيما يحتاج إلى بيان وتفصيل، ومن ذلك:
1-صرف العبادة لغير الله
من صور الشرك الأكبر أن يصرف الإنسان عبادةً خالصةً لله إلى غيره، كأن يدعو ميتًا أو غائبًا دعاء عبادة، أو يستغيث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، معتقدًا أنه يملك ذلك استقلالًا، أما طلب المساعدة من إنسان حي حاضر فيما يقدر عليه عادةً، فليس من هذا الباب.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾.
فالآية تؤكد أن كشف الضر وتفريج الكرب على الحقيقة بيد الله تعالى، وأن العبد ينبغي أن يعلِّق قلبه بربه، ويدعوه وحده، ويطلب منه العون والرحمة والفرج.
2-بغض شيء مما أنزل الله تعالى
إن بغض حكم من أحكام الله من حيث إنه حكم الله ورسوله، ورفضه على هذا الوجه، يناقض أصل الإيمان. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. وينبغي التفريق بين ذلك وبين المشقة التي يجدها الإنسان في أداء بعض التكاليف، أو ضعف النفس أمامها؛ فالمؤمن قد يشق عليه العمل، لكنه يقر بوجوبه ويجاهد نفسه للقيام به.
3-الاستهزاء بالله أو بآياته أو برسوله
الاستهزاء بالله أو بآياته أو برسوله ﷺ أمر عظيم الخطر، وقد بيَّن الله تعالى حكم الاستهزاء بالدين في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ*لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
وتؤكد الآية وجوب تعظيم الله تعالى ودينه وشعائره، والحذر من السخرية بما جاء به الوحي.
ومما يجب التنبه له أن هذه النواقض عامة، والحكم على شخص بعينه يحتاج إلى تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وهو أمر يُرجع فيه إلى أهل العلم، ولا يجوز أن يكون مجالًا للتسرع أو الاتهام.
خاتمة:
الإيمان بالله نعمة عظيمة تهب القلب الطمأنينة، وتعين الإنسان على مواجهة الحياة بثقة ورجاء، وتفتح له أبواب الخير في الدنيا والآخرة، فاحرص على تقوية إيمانك، وإخلاص عبادتك لله، واجعل صلتك به مصدر قوتك وسكينتك في كل أحوالك.
تحدي يقوّي إيمانك:
اختر اسمًا من أسماء الله الحسنى، واكتب كيف يمنحك استشعار هذا الاسم طمأنينةً في حياتك.
شاركنا في التعليقات، لنتدبّر معًا أسماء الله الحسنى وآثارها في قلوبنا.
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy