من السور القرآنية ذات التأثير العجيب في القلوب: سورة (ق)، والتي ما إنْ تسمعها من قارئٍ ذِي صوتٍ حسنٍ إلا وتُحدث في القلب وجلا وخوفًا، لما تضمنته من ترغيب وترهيب، وما ورد في سياقها من ذكر سكرات الموت ومشاهد من يوم القيامة وأهوالها، وما يجري فيها.
وسورة (ق) هي -على الصحيح- أولُ سورة من قسم (المفصَّل) من كتاب الله، والذي يبدأ بها وينتهي بسورة الناس، ويُسمَّى بالمفصل لكثرة سوره، ولكثرة الفصل بينها بالبسملة، وقيل: لقلة المنسوخ منه؛ ولهذا يسمى بالمُحكم أيضًا.(1)
يقول النبي ﷺ: «أُعطِيتُ مكانَ التَّوراةِ السَّبعَ الطِّوالَ ، وأُعطِيتُ مكانَ الزَّبورِ المئين ، وأُعطِيتُ مكانَ الإنجيلِ المثانيَ ، وفُضِّلتُ بالمُفصَّلِ»(2)
وقوله ﷺ: «وفُضلت بالمفصل» أي: "أُعطيته فضيلة وزيادة على ما أُعطي الأنبياء مِن قبلي؛ فأفاد أنه أُعطي من الوحي مثل ما أعطي كل من الأنبياء الذين ذُكرت كتبهم وفُضل زيادةً على ما أعطوا… وكأن المراد أنها مكانها في الإفادة وغيرها"(3).
ويقول أيضًا ﷺ: «شيَّبَتْني هودٌ و أخواتُها من المفصَّلِ»(4)
وذلك لما اشتملت عليه هذه السور من "الْوَعيد الهائل والهول الطائل الَّذِي يفلذ الأكباد ويذيب الأجساد، ولما فِيهِنَّ من التخويف الفظيع والوعيد الشَّديد باشتمالهن مَعَ قصرهن على عجائب الآخرة وفظائعها"(5)
بين يدي السورة:
سورة (ق) مكية، وآياتها (45) آية، وترتيبها في المصحف رقم (50)، وترتيبها في النزول رقم (34) نزلت بعد سورة المرسلات وقبل سورة البلد.
وسورة (ق) من السور التي سميت بأسماء الحروف الواقعة في ابتدائها مثل (طه) و(ص) و(ق) و(يس) لانفراد كل سورة منها بعدد الحروف الواقعة في أوائلها بحيث إذا دعيت بها لا تلتبس بسورة أخرى.(6)
أسماء السورة:
ولها عدة أسماء:
1- سورة ﴿ق﴾ .
2- سورة ﴿قۤۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِیدِ﴾
وهما اسمان توقيفيان للسورة؛ حيث سُميت بهما في عدة أحاديث للنبي ﷺ؛ منها:
- عن أمِّ هِشامٍ بِنتِ حارِثةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالتْ: "ما أَخذْتُ ﴿قۤۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِیدِ﴾ إلَّا عن لِسانِ رَسولِ الله ﷺ؛ يَقرَؤُها كُلَّ يومِ جُمُعةٍ على المِنبَرِ إذا خَطَب النَّاسَ"(7).
وفي رِوايةٍ: "مَا حَفِظْتُ ﴿ق﴾ إلَّا مِنْ فِي [فم] رَسولِ اللهِ ﷺ …". - عن جابِرِ بنِ سَمُرةَ رَضِيَ اللهُ عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَقرَأُ في الفَجرِ بـ ﴿قۤۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِیدِ﴾، وكانتْ صلاتُه بَعْدُ تخفيفًا.(8)
- أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ سَألَ أبا واقِدٍ اللَّيثيَّ: ما كان يَقرَأُ به رَسولُ اللهِ ﷺ في الأَضحَى والفِطرِ، فقال: كان يَقرَأُ فيهما بـ ﴿قۤۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِیدِ﴾ [ق: 1] ، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1].(9).
3- سورة الباسقات
وهي تسمية اجتهادية لبعض العلماء، قال السيوطي: «ق: تُسَمَّى سُورَةُ الْبَاسِقَاتِ»(10).
ووجه تسمية السورة بهذا الاسم "على اعتبار وصفٍ لموصوف محذوف، أي سورة النخل الباسقات إشارة إلى قوله: ﴿وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَـٰتࣲ لَّهَا طَلۡعࣱ نَّضِیدࣱ﴾ [ق ١٠]"(11).
مقصد السورة:
من أهم مقاصد سورة (ق):
إيقاظ القلوب الغافلة؛ لإدراك حقائق البعث والجزاء وبراهينه ومشاهده(12).
تصديق النبي ﷺ في الرسالة، التي معظمها الِإنذار بيوم الخروج… والدلالة على إحاطة القدرة، التي هي نتيجة ما ختمت به الحجرات، من إحاطة العلم لبيان أنه لا بد من البعث ليوم الوعيد"(13).
مواضيع السورة:
من أهم المواضيع التي تناولتها سورة (ق):
- ذكر موقف المكذبين بالرسالة والبعث وسبب تكذيبهم، والاستدلالُ على إثبات البعث بالأدلة الحسية؛ كخلق السموات والأرض وما عليها، وإحياء الأرض بعد موتها بماء السماء، وإنبات الأشجار والثمار.
- بيان إحاطة علم الله بخفيّات الأشياء وخواطر النفوس، وأنَّ كلَّ إنسانٍ تحت مراقبة الله منذ ولادته حتى مماته.
- تذكير الكفار بمن أُهلِكَ من الأمم قبلَهم ممن كانوا أشدَّ منهم، وتنبيهُهم على قدرة الله على خلق المخلوقات العظيمة دون تعبٍ أو نَصَبٍ، وتسليةُ النبي ﷺ عن تكذيبهم له(14).
فضل السورة وخصائصها:
مرَّ بنا من أحاديث النبي ﷺ ما يكشف عن فضل سورة (ق)؛ فقد كان النبي ﷺ يقرأ بها في صلاة الصبح، وكان يقرأ بها أيضًا في الركعة الأولى من صلاة العيد، وكذلك كان يقرأ بها أو ببعضها على المنبر يوم الجمعة، وأنها من سور (المفصل) الذي فُضِّل به النبي ﷺ على سائر الأنبياء.
ويُلاحظ من الجمع بين أحاديث النبي ﷺ في شأن سورة (ق) أن النبي كان يختارها للقراءة بها في المجامع الكبيرة كالجمعة والعيدين، وقد نبه على ذلك ابن كثير رحمه الله حيث يقول: «والقصد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار: كالعيد والجُمَع لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور والمعاد والقيام والحساب، والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب»(15).
حرف القاف ومناسبة معاني السورة:
يلاحظ أن سورة (ق) قد اشتملت على كثير من الكلمات التي تحتوي في بنيتها على حرف القاف، وهذا يناسب تسميتها بهذا الاسم.
يقول الزركشي: «وَاعْلَمْ أَنَّ تَسْمِيَةَ سَائِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ يَجْرِي فِيهَا مِنْ رَعْيِ التَّسْمِيَةِ مَا ذَكَرْنَا وَانْظُرْ سُورَةَ ق لِمَا تَكَرَّرَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْكَلِمَاتِ بِلَفْظِ الْقَافِ وَمِنْ ذَلِكَ السُّوَرُ الْمُفْتَتَحَةُ بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ»(16).
وأكد ابنُ القيم أن السُّورَ التي اشتملتْ على الحروف المفرَدة، تكون السورة فيها مبنية على كلمة ذلك الحرف، ومن هذه السور سورة (ق) والتي يقول عنها: «السورة مبنيَّةٌ على الكلمات القافيَّة من ذِكر القرآن، وذكر الخَلْق، وتكرير القول ومراجعته مرارًا، والقرب من ابن آدم، وتلقي المَلَكَيْنِ قولَ العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقَرين، والإلقاء في جهنم، والتَّقَدُّم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر "القَبْل" مرتين، وتشقّق الأرض وإلقاء الرَّواسي فيها، وبُسُوق النخل والرِّزق، وذكر القوم، وحقوق الوعيد، ولو لم يكن إلا تكرارُ القول والمُحَاورة".
كما لاحظ ابن القيم ما وصفه بـ"سر آخر" وهو أن "كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلوِّ والانفتاح"(17)
وهكذا تكشف لنا سورة (ق) عن عظمة القرآن في إيقاظ القلوب الغافلة، وتذكير النفوس بحقيقة الموت والبعث والجزاء، وتدعو الإنسان إلى التأمل في آيات الله المبثوثة في الكون، واستحضار مراقبته سبحانه، والاستعداد للقائه بالعمل الصالح.
فلا ينبغي أن تمر آيات هذه السورة على أسماعنا مرورًا عابرًا، بل يجب أن نصغي إليها بقلوب حاضرة، ونتدبر معانيها، ونستحضر مشاهدها، حتى يكون تذكر الآخرة دافعًا لنا إلى إصلاح أعمالنا وتجديد صلتنا بكتاب الله.
أي آية من سورة (ق) تستوقف قلبك وتؤثر فيه أكثر؟
شاركنا بها في التعليقات🗨️
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: الإتقان في علوم القرآن (1 /221)، والبرهان في علوم القرآن (1 /246).
(2) أخرجه أحمد (16982)، والطبراني (22/76، رقم 187)، وصححه الألباني في بداية السول (59).
(3) التنوير شرح الجامع الصغير (2 /487).
(4) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (1109)، والمستغفري في فضائل القرآن (809)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3722).
(5) التيسير بشرح الجامع الصغير (2 /80).
(6) تفسير ابن عاشور (26 /273).
(7) أخرجه مسلم (873).
(8) أخرجه مسلم (458).
(9) أخرجه مسلم (891).
(10) الإتقان في علوم القرآن (1 /194).
(11) تفسير ابن عاشور: التحرير والتنوير (26 /274).
(12) المختصر في التفسير (ص 518).
(13) مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور (3 /14).
(14) ينظر: التفسير الميسر.
(15) تفسير ابن كثير (7 /6).
(16) البرهان في علوم القرآن (1 /271).
(17) بدائع الفوائد (3 /1120–1121).
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy