وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها: معنى الآية وتأملاتها

وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها: معنى الآية وتأملاتها
2026/10/16

من أشدّ الآفات الخفية وأكثرها شيوعًا بين الناس أن يعيش العبدُ في نِعمٍ سابغة أنعم اللهُ بها عليه، واختارها له بحكمته ورحمته، فيستأنس بها حتى يعتادها ويألفها، وتصبح في حياته شيءا «عاديًّا»، ثم يطرق المللُ بابَه ليحرمه لذتها، ويبدأ في توهّم أن هناك ما هو أفضل منها! فلا يعود يراها نعمةً، ولا يلهج لسانه بشكرها، بل قد يصل به الجهل والظلم إلى أن يسخطها ويتبرم بها ويطلب زوالها والانتقال عنها!

هذه الظاهرة التي يمكن أن تُعرف بـ «إلف النِعَم»، هي خطوة نحو الجحود، حيث ينغلق قلب العبد عن استشعار النعم وتقديرها، ورؤية المنعم سبحانه، ولا يفيق إلا عند زوال تلك النعم أو بعد فقدها.


ينسى النعم ويعدّ المصائب

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦].
والكنود -كما بيّن أهل التفسير- هو الكفور الجحود الذي يَعُدُّ المصائب والنقائص وينسى النعم الشاملة المتواترة عليه. وهذا طبعٌ نفسي يحمل عليه الاستغراق في الدنيا، إلا من عصمه الله تعالى بلطفه وتوفيقه.

فكم من نعمٍ تحيط بنا في حياتنا اليومية أصبحنا نتعامل معها كاستحقاق بَدهيّ لا يستوجب الحمد!
- في رزقك وعملك: الوظيفة ذات الراتب الوفير التي كنت تتمنى جزءًا منها تحولت مع الأيام إلى روتين ممل يتبرم منه صاحبها.
- في بيتك وأسرتك: الزوجة الموافقة الصالحة، والأولاد المطيعون المتفوقون؛ أشياء جميلة ثابتة جرى "الاعتياد" عليها حتى غابت قيمة الحمد فيها.
- في جسدك وصحتك: أعضاؤك التي لا تتعاصى عليك، وحواسك المأمونة التي تعمل بانتظام دون كلل أو ملل، لا تُدرك قيمتها إلا حين يطرأ عليها المرض أو يصيبها الألم.

كم من هذه النعم نعيش فيها كل يوم دون أن تستوقفنا، أو تحرك في قلوبنا شعورًا عميقًا بالامتنان لله تعالى! وما ذلك إلا لأننا اعتدنا تلك النعم حتى صارت في نظرنا أمورًا مألوفة، لا تستحق كثير التفات، وقد لا ننتبه إلى عظيم قدرها إلا حين يختلّ شيء منها، أو يغيب عنا بعض ما ألفناه طويلًا.

قصة.. وعبرة!

ومن أبلغ ما يصور هذه الآفة قصة قوم سبأ، الذين أنعم الله عليهم بأسباب من الرخاء والأمن ويسر العيش، حتى صار السفر بين قراهم ميسّرًا، لا يشق عليهم ولا يعرضهم لما يخشاه المسافرون من أخطار الطريق.
قال الله تعالى واصفًا بعض ما أنعم به عليهم:
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾[سبأ: 18].
كانت القرى متقاربة، ومنازل المسافرين متصلة، وكان الناس يقطعون الطريق في أمن، يجدون ما يحتاجون إليه في أسفارهم، فلا مشقة شديدة ولا خوف يفسد عليهم رحلتهم.
لكن النعمة التي كان ينبغي أن تقابل بالشكر، تحولت في نفوسهم إلى أمرٍ مألوفٍ ملُّوه، وراحةٍ ضاقوا بها، حتى تمنَّوا ما هو على خلافها!
قال تعالى:
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾[سبأ: 19].
لقد طلبوا تباعد الأسفار بعدما اعتادوا سهولتها، وضاقوا بما كان من أسباب راحتهم، فكانت العاقبة أن زالت عنهم تلك النعم، وتفرّقوا بعد اجتماع، وصار خبرهم عبرةً لمن يأتي بعدهم.
وذكر ابنُ كثير في تفسيره أنهم "بطروا النعمة"، ونُقل عن الحسن البصري قوله في تفسير الآية: «إنهم ملّوا النعمة كما ملّت بنو إسرائيل المنّ والسلوى»(1)
تأمل هذا التحول العجيب في حالهم حين ملوا النعمة؛ لتعلم أن المشكلة لم تكن في النعمة ذاتها، وإنما في قلبٍ اعتاد العطاء حتى نسي أنه عطاء.
ما أشدَّ حاجَتنا إلى أن نتأمل هذه القصة كلما وجدنا أنفسنا ساخطين على أمور كانت يومًا من أعظم أمنياتنا، أو منشغلين بنواقص حياتنا حتى غابت عنا خيراتها!

أكثر الناس أعداءُ نِعَمِ الله عليهم!

لابن القيم -رحمة الله عليه- كلامٌ عجيب في رصد ظاهرة "إلف النعم" ومللها وكيف تقود العبد إلى سلب النعم منه؛ حيث يقول: 
"من الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمة أنعمَ الله بها عليه واختارها له، فَيمَلُّها العبدُ ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله أنه خيرٌ له منها، وربُّه برحمته لا يُخرِجه من تلك النعمة ويَعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه، حتى إذا ضاق ذرعًا بتلك النعمة وسَخِطَها وتبرَّمَ بها واستحكم مَللُه لها سَلَبه الله إياها؛ فإذا انتقل إلى ما طلبه، ورأى التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه؛ اشتدَّ قلقُه وندمه وطلبَ العودة إلى ما كان فيه.
فإذا أراد الله بعبده خيرًا ورشدًا أشهدَه أن ما هو فيه نعمة من نعمه عليه ورَضَّاهُ به وأوزعَه شكره عليه؛ فإذا حدَّثتْه نفسُه بالانتقال عنه استخار ربَّه استخارةَ جاهلٍ بمصلحته عاجزٍ عنها مُفوِّضٍ إلى الله طالبٍ منه حسنَ اختياره له.
وليس على العبد أضرُّ من مَلَلِه لنعم الله؛ فإنه لا يراها نعمة ولا يشكره عليها ولا يفرح بها، بل يَسخَطها ويشكوها ويعدُّها مصيبةً، هذا وهي من أعظم نعم الله عليه.
فأكثر الناس أعداءُ نِعَمِ الله عليهم، ولا يَشعُرون بفتح الله عليهم نِعمَه، وهم مجتهدون في دفعها وردَّها جهلًا وظلمًا؛ فكم سَعَتْ إلى أحدهم من نعمةٍ وهو ساعٍ في ردِّها بجهده! وكم وصلتْ إليه وهو ساعٍ في دفعها وزوالها بظلمه وجهله!
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فليس للنعم أعدى من نفس العبد؛ فهو مع عدوه ظهير على نفسه، فعدوه يطرح النارَ في نعمه وهو ينفخ فيها؛ فهو الذي مكَّنه من طرح النارِ ثم أعانهُ بالنفخ؛ فإذا اشتد ضرامُها استغاثَ من الحريق، وكان غايته معاتبة الأقدار!»(2).

كيف تعالج الأمر؟!

من أنفع ما يعيد إلى القلب إحساسه بالنعم أن يتأمل الإنسان أحواله لو فقد بعضها.
إذا استيقظت صباحًا، فهل تذكر نعمة أن رد الله إليك رُوحك، وأن منحك يومًا جديدًا؟ 
وإذا وضعت قدمك على الأرض، فهل استحضرت نعمة استقرارها وثباتها؟!
وإذا تناولت طعامك، فهل تذكرت مَن لا يجد ما يسد جوعه؟!
وإذا فتحت عينيك وقرأت هذه الكلمات، فهل حمدتَ الله على نعمة البصر والقدرة على القراءة والفهم؟!
وإذا كنت صحيح البدن، فهل تذكرت أن هناك من يتمنى أن يتحرك دون ألم، أو أن ينام ليلة هادئة دون أن يوقظه وجع؟
وإذا اجتمعت بأهلك، فهل استشعرت أن هذا الاجتماع نفسه نعمة تستحق الحمد، أم لم تعد تراه إلا مشهدًا معتادًا في يومك؟!
إننا كثيرًا ما ننتبه إلى النعمة حين يغيب أثرها، مع أن الأجدر بنا أن نتأملها وهي بين أيدينا، قبل أن تتغير الأحوال!
وإذا رأيت زلزالًا تهتز له الأرض ويحدث من الدمار والخراب ما يحدث؛ فتأمل نعمة استقرار الأرض التي تمشي عليها مطمئنًا: ﴿أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارࣰا وَجَعَلَ خِلَـٰلَهَاۤ أَنۡهَـٰرࣰا وَجَعَلَ لَهَا رَوَ ٰ⁠سِیَ وَجَعَلَ بَیۡنَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [النمل ٦١] 
وإذا سمعت عن انقطاع الماء أو الكهرباء عن أناسٍ، فتذكر ما "اعتدته" منهما من غير عناء. 
وإذا رأيت مريضًا يتمنى العافية، فاستحضر ما تتمتع به من صحة ربما لم تمنحها من التفكر والشكر ما تستحق!.
إن استحضار أحوال المحرومين ليس دعوة إلى الشماتة بهم، ولا إلى الاكتفاء بمقارنة أنفسنا بمن هم أقل منا حالًا، وإنما هو تذكير بفضل الله، وبأن ما نراه "عاديًا" في حياتنا قد يكون "أمنية" أو "حُلمًا" عند غيرنا، وبأن شكر النعمة ينبغي أن يقترن بالرحمة والإحسان إلى المحتاجين.

كيف ننجو من آفة إلف النعم؟

لكي نستعيد إحساسنا بالنعم، يمكننا أن نتدرب على أمور يسيرة عظيمة الأثر:
أولًا: أن نعدّ النعم قبل أن نعدّ النواقص!
حين تنشغل النفس بما ينقصها، ذكّرها بما تملكه من صحة وأمن ورزق وأهل وإيمان، وبما لا تستطيع حصره من نعم الله الظاهرة والباطنة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].

ثانيًا: أن نربط النعمة بالمنعم!
فلا ننظر إلى الراتب بوصفه مالًا يصل في نهاية الشهر فحسب، ولا إلى الصحة بوصفها حالة طبيعية مضمونة، بل نتذكر أن الله هو الرزاق، وأن العافية فضل منه، وأن كل ما بأيدينا إنما وصل إلينا بإذنه وتقديره.

ثالثًا: أن نتذكر أن دوام النعمة ليس أمرًا نملكه
ليس المقصود أن نستحضر الفقد على سبيل التشاؤم، بل أن نفهم أن ما نملكه اليوم يستحق الشكر، وأن دوام الحال ليس مضمونًا لنا. وهذا الفهم يجعلنا أكثر امتنانًا، وأحسن تعاملًا مع من حولنا، وأقل تسخطًا على تفاصيل الحياة.

رابعًا: أن نجعل للشكر أثرًا في أعمالنا
فشكر النعمة لا يقتصر على اللسان، بل يكون بالقلب اعترافًا بفضل الله، وباللسان حمدًا وثناءً، وبالجوارح استعمالًا للنعمة فيما يرضيه. فمِن شكر نعمة المال أن ينفق منه في الخير، ومِن شكر نعمة العلم أن ينفع به غيره، ومِن شكر نعمة الصحة أن يستعين بها على الطاعة، ومِن شكر نعمة الأسرة أن يحسن إلى أهلها ويؤدي حقوقهم.

خامسًا: ألا نستعجل هجر النعمة طلبًا لغيرها
فإذا حدثتك نفسك بأن حياتك لا تصلح إلا بتغيير كل ما فيها، أو بأن السعادة لا تتحقق إلا بالحصول على ما عند الآخرين، فتوقف وتأمل، واستخِر الله فيما عزمت عليه، واستشر أهل الحكمة، وانظر هل تسعى إلى تحسين حقيقي، أم أنك مللت نعمة ألفتها حتى غاب عنك خيرها.

فلنحذر إلف النعم، ولنُنقّب عنها في يومنا وليلتنا؛ في شربة الماء، وأمن الطريق، وسكون الجسد، وابتسامة الأهل وهداية الأولاد. ولنلهج دائمًا بالحمد والاستغفار، حتى تدوم النعم وتزيد، كما وعد الصادق سبحانه: ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِیدَنَّكُمۡ﴾ [إبراهيم: ٧].
اللهم أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينـا، ولا تجعلنا من الغافلين.

💚 اكتب «الحمد لله» مستحضرًا نعمةً تعيشها يوميا ولم تكن تستشعرها .. وشارك المقال لتتواصى مع غيرك بشكر النعم.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير يحيى بن سلام (2/ 755).
(2) الفوائد (ص262، 263).

بحث
الأكثر تداولاً

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة