أعظم نعيم ينتظر المؤمنين!

أعظم نعيم ينتظر المؤمنين!
2026/10/14

 

ما أعظم نعيم ينتظر المؤمنين في الجنة؟ أهو القصور والأنهار، أم الثمار التي لا تنقطع، أم الحياة التي لا يشوبها مرض ولا حزن ولا فراق؟

كل ذلك من نعيم الجنة الذي أعده الله لعباده المؤمنين، لكن هناك نعيمًا أعظم من ذلك كله، تتطلع إليه قلوب المؤمنين، وتشتاق إليه نفوس العابدين؛ إنه النظر إلى وجه الله الكريم.

وفي آيتين موجزتين، يرسم القرآن مشهدًا عظيمًا لهذا النعيم، فيقول الله تعالى:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23].

فما سر هذا التعبير القرآني؟ وما الذي يجعل رؤية الله أعظم نعيم ينتظره المؤمنون؟

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾.. حين تشرق الوجوه من النعيم

يبدأ المشهد القرآني بوصف وجوه المؤمنين يوم القيامة، فيقول سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾.

والنضارة تدل على الحسن والبهاء والإشراق، وقد ذكر الطبري في تفسير الآية أنها تعني الوجوه الحسنة الجميلة من النعيم، ونقل عن مجاهد تفسيرها بحسن الوجوه، كما نقل عنه وصفها بأنها من السرور والنعيم والغبطة.

وذكر ابن كثير أنها وجوه حسنة بهية مشرقة مسرورة، وبيّن القرطبي أن النضارة من الحسن والنعمة والإشراق.

إنها وجوه أكرمها الله بالنعيم، وأذهب عنها الحزن والخوف، فأصبحت مشرقة بالبهاء والسرور. لكن القرآن لا يقف عند وصف هذا الإشراق، بل ينتقل بنا إلى ما هو أعظم، فيقول سبحانه:

﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
 

﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.. أعظم ما تتطلع إليه القلوب

هذه الآية هي محور المشهد كله؛ إذ تخبرنا عن كرامة عظيمة ينالها المؤمنون في الآخرة، وهي رؤية الله سبحانه وتعالى.

يقول الطبري في تفسيرها إن الوجوه تنظر إلى خالقها، وهو المعنى الذي رجحه بعد ذكر أقوال أهل التأويل.
ويقرر ابن كثير أن المراد رؤية الله عيانًا، ويذكر أن رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ثابتة بالأحاديث الصحيحة.

كما نقل القرطبي أن هذا هو قول جمهور العلماء.

وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة؛ أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة رؤية حقيقية تليق بجلاله سبحانه، من غير إحاطة به ولا تكييف ولا تشبيه.

تأمل عظمة هذا المعنى: المؤمن الذي عرف ربه في الدنيا، وآمن به، وعبده، ورجاه، ودعاه، ينتظره في الآخرة نعيم النظر إلى وجهه الكريم.

وليس المقصود مجرد الانتقال إلى حياة خالية من الألم، بل الفوز بكرامة عظيمة أخبرنا الله بها، وبيّن النبي ﷺ مكانتها في نعيم أهل الجنة.

حين يُكشف الحجاب.. نعيم يفوق كل ما سواه

وقد جاءت السنة النبوية لتبين عظمة هذا النعيم، ففي صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:

«إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ».

رواه مسلم (181).

تأمل هذا المشهد العظيم: أهل الجنة قد نالوا من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومع ذلك يخبرنا النبي ﷺ أن شيئًا لا يكون أحب إليهم من النظر إلى ربهم سبحانه وتعالى.

إنه نعيم لا تقاس به لذات الدنيا، ولا تدانيه متع الحياة؛ لأن القلوب التي عرفت ربها وآمنت به تتطلع إلى لقائه، والفوز برضوانه، والكرامة بالنظر إلى وجهه الكريم.

وهنا يتجلى معنى الآيتين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ وجوه مشرقة بالنعيم، تنال كرامة النظر إلى الله سبحانه وتعالى.

كيف يستعد المؤمن لهذا النعيم العظيم؟

إن الشوق إلى هذا اللقاء لا ينبغي أن يبقى مجرد أمنية، بل يدفع المؤمن إلى الاستقامة والعمل الصالح، والمحافظة على الصلاة، والإخلاص في العبادة، والتوبة من الذنوب، ورجاء رحمة الله ورضوانه.

ومن النصوص التي تجمع بين البشارة برؤية الله والحث على عمل صالح، حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:

«إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ».

رواه البخاري (7436)، ومسلم (633)، واللفظ المذكور هنا مختصر من الحديث.

وجاء في الرواية التامة من حديث جرير رضي الله عنه أن النبي ﷺ حث على المحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، أي صلاتي الفجر والعصر.

وهكذا يجتمع في الحديث إثبات هذه الكرامة العظيمة، والحث على المحافظة على هاتين الصلاتين.
فليكن من استعدادنا لهذا النعيم أن نحافظ على صلاتنا، ونخلص لله في أعمالنا، ونجاهد أنفسنا على الطاعة، ونسأله الثبات حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.

دعاء نبوي.. اللهم ارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم

ومن أجمل ما يدعو به المؤمن أن يسأل الله هذا النعيم العظيم، فقد جاء في الدعاء النبوي:

«وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ».

وهو جزء من دعاء النبي ﷺ الذي رواه النسائي وغيره عن عمار بن ياسر رضي الله عنه.

إنه دعاء يجمع بين الشوق إلى الله، والرغبة في أعظم نعيم الآخرة، وسؤال الثبات والعافية من الفتن.
فليسأل المؤمن ربه أن يرزقه لذة النظر إلى وجهه الكريم، والشوق إلى لقائه، وأن يوفقه للإيمان والعمل الصالح حتى يبلغه منازل رضوانه.

خاتمة: نعيم يستحق أن نعمل من أجله

قال الله تعالى:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.

آيتان تختصران مشهدًا عظيمًا من مشاهد الكرامة الإلهية؛ وجوه ناضرة، ونعيم مقيم، ورؤية لله سبحانه وتعالى.

فيا لها من كرامة ينتظرها المؤمنون، ويا له من نعيم يستحق أن تُبذل في سبيله الأعمار، وأن تُصان لأجله الجوارح، وأن تتعلق به القلوب!

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل جنته، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، والشوق إلى لقائه، وأن يجمعنا بعباده الصالحين في عليين آمين
 

بحث
الأكثر تداولاً
صورة المستخدم
جاري التحميل

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة