
لحظاتُ الفراقِ لكل محبوب من أشخاصٍ أو أماكن أو أزمنة، دائمًا ما تكون هي اللحظات الأقسى على القلوب. ومن هذه اللحظات التي يتوجّع لها قلبُ كلِّ مسلمٍ مشهدُ وداع رمضان؛ حيث تختلج في القلب مشاعرُ فرحٍ باستكمال الصيام ودخول العيد، ومشاعرُ حُزنٍ لانقضاء موسم من مواسم المغفرة والعتق من النيران، كان المَرْءُ يَودُّ لو يتزود منه أكثر!
وأقسى لحظات الوداع هي آخر ليلة من رمضان؛ حين ينفض جمعُ الناس من المساجد منصرفين بعد صلاة العشاء .. لا قيام في المساجد هذه الليلة! .. لا تراويح في بيوت الله! .. لكأنَّ المساجدَ هذه الليلةَ حزينةٌ أشد الحزن لانقضاء موسم التراويح، وقرآن التراويح، ودعوات التراويح ، ودموع التراويح! .. كانت عامرةً مضاءةً بقناديل التراويح على مدار شهر كامل، والليلة تُطفأ تلك القناديل!
مَن المقبول.. ومَن المحروم؟!
في مثل هذه الليلة الأخيرةِ من رمضان، كان عليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- ينادي: يا ليتَ شِعْرِي! مَن هذا المقبولُ فنهنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ فنُعَزِّيه؟.
وكذا ورد عن عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُنَادِي: "مَنْ هَذَا الْمَقْبُولُ اللَّيْلَةَ فَنُهَنِّيهِ، وَمَنْ هَذَا الْمَحْرُومُ الْمَرْدُودُ اللَّيْلَةَ فَنُعَزِّيهِ، أَيُّهَا الْمَقْبُولُ هَنِيئًا، وَأَيُّهَا الْمَحْرومُ الْمَرْدُودُ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَكَ" [مختصر قيام الليل للمروزي، ص (213)].
تدرك من هذيْن الأثريْن كيف كان الصحابةُ رضوان الله عليهم يتأثرون لهذه الليلة الأخيرة من رمضان، ويقع عليهم الهم أكانوا في شهرهم من المقبولين الفائزين أم كانوا من المحرومين الخاسرين. ونحن أولى بهذه الوقفة مع أنفسنا منهم؛ فيسأل كلُّ واحدٍ منا نفسه، وهو أعلم بحاله وبما قدَّم في شهره: أكنتُ فيه من المقبولين، أم كنتُ فيه -عياذا بالله- من المحرومين؟!.. هل صمتُه إيمانًا واحتسابًا؟! .. هل قمتُ ليلَه إيمانًا واحتسابًا؟! .. هل وُفِّقتُ فيه لإحياء ليلة القدر وقيامِها إيمانًا واحتسابًا؟! .. هل قرأتُ القرآنَ وتدبّرتُُه؟ .. هل تصدّقْتُ وأطعمْتُ؟ .. هل فعلتُ وفعلتُ …
فإن كنتَ أحسنْتَ واجتهدتَ وبذلت وُسعك وطاقتك؛ فهنيئا لك! .. مقبولٌ بإذن الله وأنت رابحٌ فائزٌ جديرٌ بأن تفرح بفطرك من رمضان وبعيدك .. هنيئا لك وتقبل اللهُ منك!
وأما إن كانت الأخرى … فعزاؤنا لك .. جبر الله مُصيبتك!
فاز بجائزة الرب سبحانه!
جاء في الأثر عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر مرفوعًا: «من أدرك رمضان صحيحًا مسلمًا، فصام نهاره، وصلى وردًا من ليله، وغضّ بصره، وحفِظ فرجه ولسانه ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة، وبكّر إلى جمعه، فقد صام الشهر واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجائزة الرب» قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء. [رواه ابن أبي الدنيا 2/ 87، وهو مرسل].
ومن كانت هذه حاله؛ فحقيق به أن يصدقَ فيه قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بفِطْرِهِ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ". [متفق عليه:البخاري (1904)، ومسلم (1151)].
فيفرح باستكمال عدة الشهر صيامًا لله "إيمانًا واحتسابًا"، وهو ينتظر فرحةً أخرى مؤجّلة حين يلقى ربَّه فيُبشّر بقَبولِ صَومِه، وما أعده الله له من وافر الجزاء والأجر.
واستمرت هذه المشاعر المتعلقة بنهاية شهر رمضان والخوف من عدم القبول، تؤرّق قلوب الصالحين من بعد جيل الصحابة رضوان الله عليهم، وتشغل تفكيرهم، وهذا هو التابعيُّ المحدث الثقة عَدِيُّ بنُ أَرْطَاةَ الفَزَارِيُّ الدِّمَشْقِيُّ (توفي عام 102 هـ)، أَمِيْرُ البَصْرَةِ لِعُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ، فقد خطب بعد انقضاء شهر رمضان؛ فقال: "كَأَنَّ كَبِدًا لَمْ تَظْمَأْ، وَكَأَنَّ عَيْنًا لَمْ تَسْهَرْ، فَقَدْ ذَهَبَ الظَّمَأُ وَأُبْقِيَ الْأَجْرُ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَنِ الْمَقْبُولُ مِنَّا فَنُهَنِّئَهُ، وَمَنِ الْمَرْدُودُ مِنَّا فَنُعَزِّيَهُ؟ فَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمَقْبُولُ فَهَنِيئًا هَنِيئًا، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمَرْدُودُ فَجَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَكَ .. ثُمَّ يَبْكِي وَيَبْكِي" [الصيام للفريابي(ص96)].
وهذا وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ المَكِّيُّ (توفي عام 153 هـ)، وهو عابدٌ من تابعي التابعين، صلى ذات يومٍ العيد، فلما انصرف الناسُ جعلوا يمرون به؛ فنظر إليهم ثم زفر ثم قال: "لئن كان هؤلاء القوم أصبحوا مستيقنين أنه قد تُقُبِّل منهم شهرُهم هذا لكان ينبغي لهم أن يكونوا مشاغيل بأداء الشكر عما هم فيه، وإن كانت الأخرى لقد كان ينبغي لهم أن يصبحوا أشغل وأشغل" [صفة الصفوة(1/ 421)]
ها هو ذا رمضان قد رحل، لكن أثره في القلوب باقٍ!.. فهنيئًا لمن فاز بجائزة الرب، وخاب وخسر من ضيّع أيامه ولياليه! فهل كنتَ من المقبولين؟ أم أنك بحاجة إلى وقفة صادقة مع نفسك؟🤲💔
🌙 لا تجعل رحيل رمضان نهايةً لرحلة القرب من الله، بل اجعلها بداية جديدة للطاعة والاستقامة! .. واصلِ الخيرَ، وتمسّك بالنور الذي أضاء قلبك هذا الشهر، فربُّ رمضان هو ربُّ الشهور كلِّها.
✨ شاركنا شعورك بعد وداع رمضان، وكيف تخطط للمحافظة على روحانياته طوال العام؟ 💬👇