﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾... نعمة واحدة لا تنتهي

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾... نعمة واحدة لا تنتهي
2026/07/26

قبل أن يقول الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، أخذ يذكّر عباده بنعمه العظيمة: خلق السماوات والأرض، وإنزال المطر، وإخراج الثمرات، وتسخير الأنهار، والشمس، والقمر، والليل، والنهار.

ثم ختم سبحانه هذا العرض المهيب بقوله تعالي: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
وكأن كل ما سبق ليس إلا نماذج يسيرة من بحرٍ لا ساحل له.

ولعل أول ما يلفت النظر أن الله قال: ﴿نعمة الله﴾ بالإفراد، مع أن المقصود نعم لا تُحصى.

وقد بيّن القرطبي أن المراد: نعم الله، أي إن المفرد هنا يراد به الجنس، فتشمل الآية جميع ما أنعم الله به على عباده.
ثم تأتي الحقيقة التي قد يغفل عنها كثير من الناس. فنحن نظن أن الآية تخبر عن عجزنا عن عدِّ النعم فقط، لكن الإمام الطبري يوسّع المعنى، فيقول: إن الإنسان لا يطيق إحصاء نعم الله، ولا القيام بشكرها إلا بعون الله. 

فالعجز ليس في العد وحده، بل في أداء حق هذه النعم أيضًا.
ولهذا قال ابن كثير معلقًا على الآية: إن الله يخبر عن عجز العباد عن تعداد النعم، فضلًا عن القيام بشكرها. 

فحتى لو استطاع الإنسان أن يكتب قائمة طويلة بما أنعم الله عليه، فلن يستطيع أن يوفي تلك النعم حقها من الشكر.
ومن أجمل ما نُقل في هذا المعنى ما رواه الطبري وابن كثير عن طلق بن حبيب رحمه الله، إذ قال:
"إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين."
وكأن طريق النجاة ليس ادعاء أننا أدينا حق الشكر، وإنما الاعتراف بالتقصير، والإكثار من التوبة والاستغفار.

ثم تختم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، وهنا يلفت الطبري إلى معنى دقيق؛ فظلم الإنسان لا يقتصر على نسيان النعمة، بل يبلغ أن يجعل شكره لغير من أنعم عليه، أو يستعين بنعم الله على معصيته، فيضع الشكر في غير موضعه، ويقابل الإحسان بالجحود.
ولذلك كان السلف يدركون أن أعظم الشكر هو أن يعرف العبد عجزه عن الشكر. وقد نقل ابن كثير أثرًا مشهورًا عن داود عليه السلام أنه قال: "يا رب، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة منك علي؟" فقيل له: "الآن شكرتني يا داود."
فكلما ازداد العبد معرفةً بنعم الله، ازداد تواضعًا، وعلم أن كل حمدٍ ينطق به، وكل سجدةٍ يسجدها، وكل دمعة شكرٍ تفيض من عينيه... هي نفسها نعمة جديدة، تحتاج إلى شكر جديد.
وهكذا تبقى الآية تذكّرنا بحقيقة لا تتغير: لسنا نعجز عن إحصاء نعم الله فحسب، بل نعجز حتى عن شكر نعمة واحدة منها كما ينبغي.

ختامًا: هل توقفت يومًا لتتأمل كم نعمة تعيشها دون أن تشعر بها؟ شاركنا في التعليقات

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة