هل تعرف المحتاج المتعفف؟

هل تعرف المحتاج المتعفف؟
2026/07/30

وقف أمام البائع، نظر إلى الأسعار، ثم ابتسم معتذرًا وقال: "سأعود لاحقًا إن شاء الله."

لم يكن يؤجل الشراء... بل كان يؤجل إحراج نفسه.
غادر المكان بهدوء، حتى ظن كل من رآه أنه لا يحتاج إلى شيء، بينما كان يخفي في صدره ضيقًا لا يعلمه إلا الله.

هذا المشهد ليس جديدًا، فقد وصفه القرآن بدقة منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، فقال تعالى:
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ۖ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ۖ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273].

يقول الإمام الطبري رحمه الله: إن معنى ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء﴾ أن من لا يعلم حقيقة حالهم يظنهم ذوي غنى؛ لأنهم يتعففون عن السؤال، فلا يُظهرون فقرهم ولا يلحّون على الناس في طلب المال.

ويبين الإمام البغوي رحمه الله أن تعففهم بلغ مبلغًا أخفى حاجتهم عن الناس، حتى صار الجاهل بحالهم يظنهم أغنياء، مع أنهم من أشد الناس حاجة.
أما قوله تعالى: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾، فيذكر الإمام الطبري أن المؤمن المتأمل يستطيع أن يعرف حاجتهم بعلامات تظهر عليهم، وإن لم يتكلموا أو يطلبوا شيئًا.

 ويذكر الإمام القرطبي أن هذه العلامات ليست علامةً واحدة، بل هي آثار الفقر والحاجة التي تبدو على الهيئة والوجه والملبس، دون أن يصرحوا بسؤال الناس.
ويختم الله الآية بقوله: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾، وقد نقل الإمام القرطبي أن الإلحاف هو الملازمة والإلحاح في السؤال، ثم رجح أن الآية تمدح هؤلاء بأنهم لا يسألون الناس أصلًا، وإن اضطر أحدهم إلى السؤال فلا يكون بإلحاح ولا إلحاف، محافظةً على كرامته وعفته.

وإن المجتمع الذي يكتفي بالنظر إلى ظاهر الناس قد يغفل عن أشدهم حاجة، أما المؤمن فيتأمل، ويسأل، ويتفقد، ويبحث عن أصحاب العفة الذين منعهم حياؤهم من مد أيديهم إلى الخلق، طمعًا فيما عند الخالق. 
وهؤلاء هم أولى الناس بالرحمة، وأحقهم بالمواساة، وأعظمهم أجرًا عند الله لصبرهم وتعففهم.

شاركنا:
هل اكتفيت يومًا بظاهر الناس، أم حاولت أن تبحث عن المحتاج الذي أخفى فقره بعفته؟


انضم الآن لقناة الواتساب عبر هذا الرابط 

صورة المستخدم

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة