
رويس اللؤلؤي: إمام القراءات وحافظ الوحي البصري
شهدت الأمة الإسلامية عبر تاريخها علماء أجلاء وحملةً لكتاب الله تعالى، حفظوا القرآن الكريم بالصدور ونقلوه بالأسانيد الصحيحة، فكانوا سببًا في بقاء الوحي غضًّا طريًّا إلى يوم القيامة. ومن بين هؤلاء الأعلام: محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصري، المشهور بـ رويس، أحد القرّاء العشرة الذين تلقّت الأمة قراءاتهم بالقبول، واعتُمدت روايته عن الإمام يعقوب الحضرمي البصري. وفي هذة الفائدة نسلط الضوء علي سيرته وحياته
اسمه ونسبه
هو محمد بن المتوكل بن يوسف اللؤلؤي البصري، ولقبه رويس. وُلد في مدينة البصرة التي كانت في القرن الثاني الهجري مركزًا من مراكز العلم واللغة والقرآن. نسبته "اللؤلؤي" تعود إلى جدّه أو عشيرته، وقد اشتهر بكنيته ولقبه حتى صار اسمه متداولًا بين أهل القراءات والحديث
البصرة في القرن الثاني الهجري
كانت البصرة في القرن الثاني الهجري إحدى حواضر العلم الكبرى في العالم الإسلامي، تتنافس مع الكوفة وبغداد في إشعاعها العلمي. اشتهرت بمدارسها في القرآن والحديث واللغة والفقه، وكانت موطنًا لأعلام كبار مثل الحسن البصري (ت 110هـ) وأبي عمرو بن العلاء (ت 154هـ)، أحد القرّاء السبعة.
في هذه البيئة العلمية المزدهرة، نشأ رويس وتأثر بمنهج البصريين في الدقة والضبط، مما أسهم في تميّزه كراوٍ للقرآن.
نشأته وطلبه للعلم
نشأ رويس في بيئة علمية عامرة بالفقه والحديث واللغة والقرآن، فمال منذ صغره إلى حفظ القرآن الكريم وتعلّم وجوه قراءاته.
تلقّى القراءة على يد الإمام يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري (ت 205هـ)، وهو أحد القرّاء العشرة الكبار.
لازم يعقوب ملازمة طويلة حتى برع في روايته، فصار هو الراوي الأبرز عنه، بل التصقت روايته باسمه، فقيل: "رواية رويس عن يعقوب".
شيوخه
أعظم شيوخه وأشهرهم: الإمام يعقوب الحضرمي، أحد أعلام القرّاء البصريين إلى جانب أبي عمرو بن العلاء وغيره.
وقد أخذ رويس عنه القراءة مباشرة بالسند المتصل إلى رسول الله ﷺ.
كما تتلمذ على جماعة من علماء البصرة في علوم اللغة والحديث، الأمر الذي أكسبه رسوخًا في الرواية وضبطًا للنقل.
تلاميذه
نقل تلاميذ رويس قراءته ونشروها في الأمصار، فحُفظت روايته عبر الأجيال.
ومن أبرز من قرأ عليه: أبو الطيب عبد العزيز بن جعفر بن محمد، الذي كان له دور كبير في نشر رواية رويس.
كما تتلمذ عليه عدد من القرّاء الذين ساهموا في استمرارية هذا السند المبارك، مما جعل روايته تنتشر في أنحاء العالم الإسلامي.
مكانته العلمية
حظي رويس بمكانة عظيمة بين أهل العلم، فقد وثّقه العلماء وأثنوا على ضبطه وإتقانه.
قال الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "رويس الإمام المقرئ، أخذ القراءة عرضًا وسماعًا عن يعقوب الحضرمي، وكان ضابطًا متقنًا" (سير أعلام النبلاء 11/462).
وقال ابن الجزري في "غاية النهاية": "كان من جلة القراء، ضابطًا متقنًا، مشهورًا بالرواية عن يعقوب" (غاية النهاية 2/259).
روايته للقرآن
تُعد رواية رويس إحدى الروايتين الأساسيتين عن يعقوب الحضرمي (والأخرى رواية روح).
وقد عُرفت رواية رويس بدقتها وجمال أدائها، وهي اليوم معتمدة في كتب القراءات العشر الكبرى، كما أدرجها ابن الجزري في منظومته "طيبة النشر".
خصائص رواية رويس
تمتاز رواية رويس عن يعقوب الحضرمي ببعض الفروق الدقيقة في الأداء والنطق.
على سبيل المثال، تتسم روايته بتفضيل الإمالة في مواضع معينة، مثل إمالة "الراء" في بعض الكلمات، واتباع قواعد المد والتفخيم بدقة متناهية.
كما أن رواية رويس تختلف عن رواية روح في بعض الحروف، مثل طريقة نطق الهمزة في مواضع محددة. هذه الخصائص جعلت روايته محط اهتمام القرّاء، وهي لا تزال تُقرأ في مناطق مثل السودان واليمن حتى اليوم.
عبادته وورعه
لم يكن رويس مجرد ناقل للقراءة، بل كان إمامًا في العبادة والزهد. عُرف بكثرة التلاوة والقيام، والحرص على تعليم القرآن بلا مقابل ابتغاء وجه الله تعالى. وهذا الخلق إنما هو ميراث عن النبي ﷺ الذي قال:
"خَيْرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" (رواه البخاري 5027).
فطبّق رويس هذا الحديث في حياته، حتى صار علمًا من أعلام الأمة.
وفاته
توفي رويس في مدينة البصرة سنة 238هـ تقريبًا، بعد حياة حافلة بخدمة كتاب الله وتعليمه.
فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والقرآن خير الجزاء.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض المصادر قد تختلف قليلًا في تحديد سنة وفاته، لكن سنة 238هـ هي الأكثر شيوعًا.
أثره في الأمة
بقي أثر رويس ممتدًا إلى يومنا هذا، فالمصاحف والدورات العلمية في القراءات لا تخلو من ذكره، وتلاوات القرّاء في أقطار مختلفة، خاصة في السودان واليمن، لا تزال تنقل روايته. وبذلك يكون قد أسهم في حفظ التنوع القرائي الذي هو من إعجاز القرآن الكريم.
خاتمة
إن الحديث عن الإمام محمد بن المتوكل اللؤلؤي – رويس هو حديث عن صفحة مشرقة من صفحات الحفاظ لكتاب الله تعالى، وعن رجل بذل عمره في خدمة القرآن وتعليمه.
فهل سألنا أنفسنا: ما نصيبنا نحن من هذا الميراث؟
هل اقتصرنا على التلاوة فقط، أم سعينا لتعلّم القراءات والتعمق في معاني الكتاب العزيز؟
فلنحرص جميعًا على أن نكون ممن ينطبق عليهم قول النبي ﷺ:
"خَيْرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" (رواه البخاري 5027).