الصلاة.. ملجأ المهمومين ومفزعُ المكروبين!

الصلاة.. ملجأ المهمومين ومفزعُ المكروبين!
2025/08/26

لا تخلو الحياةٌ مِن هموم وأكدار، أو شدائد وصعاب، لا تنفك عن الإنسان وإن حاول جاهدًا اجتنابها، كما ورد عن الحسن -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: يُكَابِدُ مضايق الدنيا وشدائد الآخرة، وكما قال الشاعر:

طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها * صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ

ولهذا؛ فقد أرشد اللهُ عز وجل نبيَّه محمدًا ﷺ، ومِن ورائه أمَّتَه، إلى علاجٍ ناجعٍ لضيق الصدر: ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ * وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ﴾ [الحجر: 97-99]

أَيْ: وَإِنَّا لَنَعْلَمُ -يَا مُحَمَّدُ- أَنَّكَ يَحْصُلُ لَكَ انْقِبَاضٌ وَضِيقُ صَدْرٍ (بِمَا يَقُولُونَ) من الأقوال الكفرية المتضمنة للطعن على رسول الله ﷺ بالسحر والجنون والكهانة والكذب. وقد كان يحصل ذلك من رسول الله ﷺ بمقتضى الجبلة البشرية والمزاج الإنساني وإن كان مُفوِّضاً جميع أموره لربه.

ثم أمره سبحانه بأن يفزع لكشف ما نابه من ضيق الصدر إلى تسبيح الله سبحانه وحمده فقال:

(فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ) أي: افزع إلى الله فيما نابك وافعل التسبيح المتلبس بالحمد، أو فنزهه عما يقولون حامداً له على أن هداك للحق.

(وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ) أي: من المصلين؛ فإنك إذا فعلتَ ذلك كشَف اللهُ همَّك وأذهب غمَّك وشرح صدرَك.

ثم أمره بعبادةِ ربه فقال: (وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ) أي: الموت أي: استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع العبادات… [يُنظر: فتح البيان، والسعدي]

سبب انشراح الصدر

ففي الآية "دليلٌ على أنَّ الصَّلاةَ والتَّسبيحَ سبَبٌ لزوالِ ذلك المكروهِ [ضيق الصدر]؛ ولذا كان ﷺ إذا حَزَبَه أمرٌ بادرَ إلى الصلاةِ، وقال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) [البقرة: 45]؛ فينبغي للمُسلمِ إذا أصابه مَكروهٌ أن يفزَعَ إلى اللهِ تعالى بأنواعِ الطَّاعاتِ مِن صلاةٍ وغَيرِها" [أضواء البيان (2/323)]

وقد كان ذلك معروفًا من حال النبي ﷺ، كما يحكي حذيفةُ رَضِي اللهُ عنه: "كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا حزبَهُ أمرٌ صلَّى" [رواه أبو داود وأحمد، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود (1319)]

أي: إذا أحزَنَه أمرٌ أو أصابه بالهمِّ لجَأ إلى الصَّلاةِ؛ ليسهلَ ذلك الأمرُ ببركةِ الصلاة.

ومن تطبيق ذلك عمليًّا في حياته ﷺ أنه كان يُصلِّي قُبَيْلَ لقاءِ العدوِّ، وعندَ اجتماع الأحزابِ، كما وقع في مشهديْن عصيبيْن: 

  • يوم بدر:

يقول عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه:

«لقد رأيتُنا لَيلةَ بدرٍ وما منَّا إنسانٌ إلَّا نائمٌ إلَّا رسولَ اللَّهِ ﷺ فإنَّهُ كانَ يصلِّي إلى شجرةٍ، ويدعو حتَّى أصبحَ». [أخرجه أحمد (1161)، وصححه الأرناؤوط والألباني].

  • يوم الأحزاب:

يقول حذيفةُ رضي الله عنه: «رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الأَحْزَابِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ فِي شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وَكانَ إذا حزبَهُ أمرٌ صلَّى» [أخرجه ابنُ نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (212)، وصحح الشيخُ أحمد شاكر إسنادَه في "عمدة التفسير"]

وعلى هذا السلوك سار الصحابة رضوان الله عليهم؛ فلما نُعي إلى ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، أخوه «‌قُثَم»، وَهُوَ فِي سفر، اسْتَرْجع ثمَّ تنحَّى عَن الطَّرِيق فَأَنَاخَ فصلى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فيهمَا الْجُلُوس، ثمَّ قَامَ وَهُوَ يَقُول: (وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة … ) (الْبَقَرَة: 54). [فتح الباري(3/ 172)].

ويقول ابنُ حجر عن الصلاة أيضًا: "ومن أسرارها: أنها تعين على الصبر؛ لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع" [فتح الباري (3/ 172)]

وقَالَ ‌وَهْبُ ‌بْنُ ‌مُنَبِّهٍ:

"إِنَّ ‌الْحَوَائِجَ لَمْ تُطْلَبْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بِمِثْلِ الصَّلَاةِ، وَكَانَتِ الْكُرُوبُ الْعِظَامُ تُكْشَفُ عَنِ الْأَوَّلِينَ بِالصَّلَاةِ؛ قَلَّمَا نَزَلَ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ كُرْبَةٌ إِلَّا كَانَ مَفْزَعُهُ إِلَى الصَّلَاةِ" [تنبيه الغافلين للسمرقندي (ص277)]

ولهذا؛ لمَّا اشتَدَّ الأمرُ بموسى عليه السلام وقومِهِ، أُمِرُوا بالصلاةِ؛ كما قال تعالى: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) [يونس: 87].

وكذلك حين دخل إبراهيم عليه السلام وزوجُه سارة -وكانت من أجمل النساء- على ذلك الجبار الذي كان يريدها لنفسه، ففي رواية مسلم حين أرْسَلَ إبراهيمُ عليه السَّلامُ بسارةَ إلى الجبَّارِ: «فقام إبراهيمُ عليه السَّلامُ إلى الصَّلاةِ». وهي نفسُها فعلتِ الأمر نفسه -كما في رواية البخاري- فحين قَامَ إلَيْهَا الجبار يريد منها ما يريد الرجلُ من المرأة، «فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وتُصَلِّي، فَقالَتِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ آمَنْتُ بكَ وبِرَسولِكَ، وأَحْصَنْتُ فَرْجِي، إلَّا علَى زَوْجِي؛ فلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ، فَغُطَّ حتَّى رَكَضَ برِجْلِهِ …»

فتأمل كيف استعان إبراهيم الخليل وزوجه سارة بالصلاة على دفع شر هذا الجبَّار ورَدِّ كيدِه عنهما.

كم تصلي وكيف؟!

فمن وجد شيئا من الانقباض وضيق الصدر، أو ألمَّت به مصيبةٌ أو شدة، أو واجه ضغوطًا في الحياة ومصاعبَ، "شُرِعَتْ له الصلاةُ كما تُشرَعُ عندَ قيام أسبابِها؛ كصلاةِ الضُّحا والاستخارةِ، وهي من ذوات الأسبابِ وتأخُذُ حُكْمَها، إلَّا أنَّ هذه الصلاةَ غيرُ مقدَّرِة الركَعاتِ؛ فجاءَ الحثُّ عليها بلا عَدَدٍ، فتُصلَّى ركعتَيْنِ ومُضاعفاتِها، بخلافِ صلاةِ الاستخارةِ وصلاةِ الضُّحا، وتحيَّةِ المسجد، وركعتَي الطوافِ، فالأصلُ فيها أنَّها معدودةٌ، وإنَّما لم يُجعَلْ عددٌ لهذه الصلاةِ؛ لأنَّها تعلَّقتْ بأمرٍ، وهو شِدَّةُ الأمرِ والهمُّ منه، فتُشرَعُ الصلاةُ حتى يزولَ ذلك السببُ، كما تُشرَعُ صلاةُ الكُسُوفِ والخُسُوفِ حتى يزولَ السببُ" [التفسير والبيان لأحكام القرآن (4/ 1659-1660)]

فالصلاةُ كفايةٌ للعبد وعونٌ له وراحةٌ لقلبه، تُغنيه وتكفيه في أيام الرخاء والسَّعَةِ، فكيف لا تكفيه في أيام الشدة حين تحيط به الهمومُ وتشتد عليه الخطوب؟! لا شك أنها خير ملجأ ومفزع له. وقد جاء في الحديثِ القدسيِّ: قال اللَّهُ عز وجل: «يَا بْنَ آدَمَ، لَا تَعْجِزْ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ» [أخرجه أحمد (22474)، وصححه الأرناؤوط والألباني]

"أربعَ رَكعاتٍ مِنْ أوَّلِ النَّهارِ"، قيلَ: صلاةُ الضُّحَى، وقيلَ: صلاةُ الفجرِ؛ سُنَّتُها وفرْضُها.

"أكْفِكَ آخِرَه"، أي: أدفَعْ عنْكَ وأُرِحْكَ مِنْ هُمومِك وأمورِك الَّتي تُقلِقُك، وقيلَ: مِنَ الذُّنوبِ والآفاتِ إلى آخِرِ النَّهارِ.

🌿قد تكون هذه الكلمات طوق نجاة لشخص يمر بضيق… انشرها واحتسب الأجر

بحث

الأكثر تداولاً

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة