
القرآن الكريم مدرسة تربي القلوب على التثبت والتأني، وتغرس في المؤمن روح العدل والرحمة، وهذه الآية الكريمة من سورة النساء ترسم للمسلم منهجًا ربانيًا يحميه من التسرع والظلم. قال الله تعالى: (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَتَبَیَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنۡ أَلۡقَىٰۤ إِلَیۡكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنࣰا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِیرَةࣱۚ كَذَ ٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ فَتَبَیَّنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣰا) [النساء:94].
ما الفائدة من توجيه النداء إلى المؤمنين؟
يعني جل ثناؤه بقوله:(یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟)، يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسوله فيما جاءهم به من عند ربهم. ومن فوائد توجيه النداء إلى المؤمنين: التنبيه على أن امتثال ما ذُكِر سواء أمرًا أو نهيًا من مقتضيات الإيمان، وللدلالة على أن مخالفة هذا من نواقص الإيمان، والإغراء؛ لأن وصف الإنسان بالمؤمن، يحثه ويجعله يُقدم على فعل الخير.
كيف يمنع التبيّن شرور التسرّع؟
قال الله تعالى:(إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ)، أي: إذا سرتم مسيرًا لله في جهاد أعدائكم (فَتَبَیَّنُوا)، أي: فتأنَّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينًا حرْبًا لكم ولله ولرسوله.
وإنما خص السفر بالأمر بالتبين مع أنه التبيُّن والتثبت في أمر القتل واجبان حضرًا وسفرًا بلا خلاف؛ لأن الحادثة التي هي سب نزول الآية كانت في السفر.
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ قالَ: كانَ رَجُلٌ في غَنِيمَةٍ لَهُ؛ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ؛ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ؛ فَقَتَلُوهُ؛ وأخَذُوا غَنِيمَتَهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ذَلِكَ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾. [رواه البخاري (4591) ومسلم (3025)]
والتثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي.
الظاهر ميزان الدنيا والقلب ميزان الآخرة:
يقول الحق سبحانه: (وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنۡ أَلۡقَىٰۤ إِلَیۡكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنࣰا) أي: ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرًا لكم أنه من أهل ملتكم ودَعوتكم لست مؤمنًا، فتقتلوه.
وقد استدل بهذه الآية على أن من قتل كافرًا بعد أن قال لا إله إلا الله قتل به؛ لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما أسقط القتل عمن وقع منه ذلك في زمن النبي ﷺ؛ لأنهم تأولوا فظنوا أن من قالها خوفًا من السلاح لا يكون مسلمًا ولا يصير بها دمه معصومًا، وأنه لا بد أن يقول هذه الكلمة وهو مطمئن غير خائف.
وهذا هو الواجب علينا أن نُجْرِي الأحكام في الدنيا على ظاهر الحال؛ لأننا لا نعلم ما في القلوب، وأما في الآخرة فالأحكام تجري على القلوب، ولهذا يجب على الإنسان أن يعتني بعمل القلب أكثر مما يعتني بعمل الجوارح؛ لأن عمل الجوارح قد يدخله الهوى، قد يتصنع الإنسان بعمله للدنيا، لكسب الناس، للجاه، للمال، لغير هذا، لكن عمل القلب لا يمكن أن يتصنع فيه الإنسان؛ لأنه لا يقع إلا بإخلاص إذا كان صالحًا.
تقديم مرضاة الله على رضا نفسه:
يقول عز وجل: (تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِیرَةࣱۚ) أي: تبتغون متاعِ الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة، من رزقه وفواضل نِعَمه، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فأثابكم بها على طاعتكم إياه، فالتمسوا ذلك من عنده. وسمي متاع الدنيا عرضًا لأنه عارض زائل غير ثابت.
(فَعِندَ ٱللَّهِ) هو تعليل للنهي أي عند الله مما هو حلال لكم من دون ارتكاب محظور (مَغَانِمُ كَثِیرَةࣱۚ) تغنمونها وتستغنون بها عن قتل من قد استسلم وانقاد وإغنام ماله، وقيل فعنده ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن.
وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها.
عطاء بلا ثمن إلا الشكر:
يقول تبارك وتعالى (كَذَ ٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ) أي: كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلم فقلتم له لست مؤمنًا فقتلتموه، كذلك كنتم أنتم من قبل، يعني: تستخفُون بدينكم، كما استخفى هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله، بدينه من قومه أن يُظهره لهم، حذرًا على نفسه منهم.
وقد قيل إن معنى قوله:(كَذَ ٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ) كنتم كفارًا مثلهم (فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ)، أي: فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه والدخول في الإسلام. وقيل، فمنَّ الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلم.
والمن هو العطاء بلا ثمن، أي: أعطاكم الله سبحانه وتعالى عطاء بلا ثمن إلا الشكر، والشكر في الواقع ليس ثمنًا للنعمة؛ لأن الله تعالى لا ينتفع به، وإنما ينتفع به العبد الشاكر، فنعمة الله عليك بالتوفيق للشكر نعمة عليك، ولو شاء الله تعالى ما شكرت.
الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال:
يوجه الله سبحانه عباده بقوله (فَتَبَیَّنُوۤا)، وكرر الأمر بالتبين للتأكيد عليهم لكونه واجبًا لا فسحة فيه ولا رخصة، فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء الله، وقد استعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورًا بالتبين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلم تعوذًا من القتل وخوفًا على نفسه، فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد، حتى يتضح له الأمر ويتبين الرشد والصواب.
ويقول سبحانه (إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣰا)، أي: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم "خبيرًا"، يعني: ذا خبرة وعلم به يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته.
..........................
المصادر:
تفسير الطبري
فتح البيان للقنوجي
تفسير السعدي
تفسير ابن عثيمين