تُجسد هذه الواقعة سعة رحمة الله بعباده وفتح باب الأمل للمخطئين، مبيِّنةً دور العبادات في غسل الذنوب وتهذيب النفوس.
جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي عالَجتُ امرَأةً في أقصى المَدينةِ [أي: بالقبلة والمعانقة]، وإنِّي أصَبتُ منها ما دونَ أن أمَسَّها [أي: دون جماع]، فأنا هذا، فاقضِ فيَّ ما شِئتَ،
فقال له عُمَرُ: لقد سَتَرَكَ اللهُ، لو سَتَرتَ نَفسَكَ،
فلم يَرُدَّ النَّبيُّ ﷺ شيئًا،
فقامَ الرَّجُلُ فانطَلَقَ،
فأتبَعَه النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا دَعاه، وتَلا عليه هذه الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَیِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفࣰا مِّنَ ٱلَّیۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَـٰتِ یُذۡهِبۡنَ ٱلسَّیِّـَٔاتِۚ ذَ ٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّ ٰكِرِینَ﴾.
فقال رَجُلٌ مِنَ القَومِ: يا نَبيَّ اللهِ، هذا له خاصَّةً؟
قال ﷺ: بَل للنَّاسِ كافَّةً.
وفي تلك الآيات، أمر تعالى بإقامة الصلاة ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ أي: أوله وآخره، ويدخل في هذا صلاة الفجر، وصلاتا الظهر والعصر، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ويدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء، ويتناول ذلك قيام الليل، فإنه مما يُقرب العبد إلى الله تعالى.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: فهذه الصلوات الخمس، وما ألحق بها من التطوعات من أكبر الحسنات، وهي: مع أنها حسنات تقرب إلى الله، وتوجب الثواب، فإنها كذلك تُذهب السيئات وتمحوها.
والمراد بذلك: الصغائر، كما قيدتها الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، مثل قوله: "الصَّلَواتُ الخَمسُ، والجُمعةُ إلى الجُمعةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ: مُكَفِّراتٌ ما بينَهنَّ إذا اجتَنَبَ الكَبائِرَ".
ويؤيد ذلك قوله تعالى، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
وشروط التوبة النصوح التي يكفر الله تعالى بها الكبائر هي:
-الندم على ما وقع من السيئات.
- تركها والإقلاع عنها؛ خوفًا من الله سبحانه.
- العزم الصادق ألا يعود فيها.
- رد المظالم إذا كان الذنب يتعلق بحقوق العباد.
﴿ذَ ٰلِكَ﴾ وهي إشارة، لكل ما تقدم، من الأمر بإقامة الصلاة، وبيان أن الحسنات يذهبن السيئات، ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ الذين يفهمون ما أمرهم الله به، ونهاهم عنه، ويمتثلون لتلك الأوامر الحسنة المثمرة للخيرات، الدافعة للشرور والسيئات. وقيل: هم الذين يذكرون الله في السراء والضراء والشدة والرخاء والعافية والبلاء.
ويستفاد من الحادثة:
1-بيان مدى رحمة الله بعباده، وأنه يقبل التائبين.
2- حرص الصالحين على تزكية وتطهير نفوسهم من المعاصي.
3-الأعمال الصالحة من الصلاة وغيرها تكفر صغائر الذنوب.
4-كبائر الذنوب تحتاج إلى توبة خاصة بشروطها كما تقدم.
قل: يارب









