يقول الله جل ثناؤه: ﴿وَإِذۡ یَرۡفَعُ إِبۡرَ ٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَیۡتِ وَإِسۡمَـٰعِیلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾ [البقرة ١٢٧]
أي: واذكر - أيها النبيُّ - حين كان يرفع إبراهيم وإسماعيل أسس الكعبة، وهما يقولان - في خضوع وتذلل -: ربنا تقبل منا أعمالنا - ومنها بناء هذا البيت - إنك أنت المجيب لدعائنا، العليم بنياتنا وأعمالنا.
وفي صحيح البخاري أن إبراهيم عليه السلام قال لابنه: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا، قَالَ: أَطِعْ رَبَّكَ، قَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ، قَالَ: إِذَنْ أَفْعَلَ…، قَالَ: فَقَامَا فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾. قال: حتَّى ارتَفَعَ البِناءُ، وضَعُفَ الشَّيخُ عن نَقلِ الحِجارةِ، فقامَ على حَجَرِ المَقامِ، فجَعَلَ يُناوِلُه الحِجارةَ ويقولانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾».
وقد قرأ العابد الرباني "وُهَيب بن الورد المكي"، وهو من تابعي التابعين، هذه الآية فبكى، وقد انتبه إلى معنى دقيق؛ فقال: "يَا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، تَرْفَعُ قَوَائِمَ بَيْتِ الرَّحْمَنِ وَأَنْتَ مُشْفقٌ أَنْ لَا يَتَقَبَّلَ مِنْكَ!".
ويعلمنا موقف إبراهيم عليه السلام أمريْن:
- عظمة الانكسار:
فرغم أنه يبني البيت بأمر من الله عز وجل، إلا أنه مع ذلك كان في قمة الخوف والخشية ألا يُقبل عمله.
- التواضع مع الله:
فلا يغتر المسلم بعمله أو يراه عظيماً، بل عليه أن يجتهد في الطاعة ويتبعها بالدعاء والاستغفار وطلب القبول.
وهذا ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين المخلصين، كما قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡتُونَ مَاۤ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَ ٰجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠] أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات وهم خائفون ألا يتقبل الله منهم إذا رجعوا إليه يوم القيامة.
فالمدار في الحقيقة، على القبول وليس على العمل، وكم من إنسان عمل أعمالًا كثيرة ولم تقبل منه؛ فلم تنفعه، وكم من إنسان عمل أعمالًا قليلة قُبلت منه؛ فنفعَه اللهُ بها!.
وقوله: ﴿تَقَبَّلْ مِنّا﴾ ؛ أي: عاملنا بفضلك، ولا ترده علينا؛ إشعاراً بالاعتراف بالتقصير؛ لحقارة العبد -وإن اجتهد- في جنب عظمة مولاه.
وقوله: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ كأنه يقول: تسمع دعاءنا وتضرعنا، وتعلم ما في قلبنا من الإخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك.
🤲اكتب الآن في التعليقات: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾ بنية خالصة وقلب حاضر لعلها تكون ساعة استجابة









