سؤال: قال ﷺ : «لا يُلدَغُ المُؤمِنُ مِن جُحرٍ واحِدٍ مَرَّتَينِ»(1)؛ فأين تصديق ذلك في القرآن؟
والجواب:
إن قوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لا يُلدَغُ المؤمنُ مِن جُحْرٍ واحدٍ مرَّتَينِ»، هو من جوامِعِ الكَلِمِ التي لم يُسْبَقْ إليها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل كان أوَّلَ من أنشأها وصاغها، ثم فشَتْ بين الناس؛ فصارتْ مثلاً سائرًا.
ويُروَى -بإسنادٍ ضَعيفٍ- في سببِ وُرودِ هذا الحديثِ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسَر أبا عزَّةَ الشَّاعرَ يومَ بدرٍ، فسأل النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يمُنَّ عليه بإطلاقِ سَراحِه، وذكر فَقْرَه وقِلَّةَ مالِه، فمَنَّ عليه، وعاهَده ألَّا يُحرِّضَ عليه ولا يَهجُوَه، فأطلَقَه، فلَحِق بقَومِه، ولكِنَّه لَمَّا رجع إلى مكَّةَ استهواه صَفوانُ بنُ أُمَيَّةَ وضَمِنَ له القيامَ بعيالِه، فخرج مع قريشٍ لحربِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورجَع إلى التَّحريضِ والهجاءِ، ثمَّ أُسِر يومَ أُحدٍ، فطلَبَ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَنَّ عليه مرَّةً أُخرى، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لا يُلدَغُ المؤمنُ مِن جُحْرٍ واحدٍ مرَّتَينِ».
قال الخطابي في شرح الحديث: هذا خبر، ومعناه أمر، أي: ليكن المؤمن حازمًا حذرًا، لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا، وهو أولاهما بالحذر(2).
وتصديق ذلك في كتاب الله، في قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام:
﴿قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَیۡهِ إِلَّا كَمَاۤ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰۤ أَخِیهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَیۡرٌ حَـٰفِظࣰاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰحِمِینَ﴾ [يوسف ٦٤].
فإنه حين رجع إخوةُ يوسف إلى أبيهم، وقصوا عليه ما كان من إكرام يوسف لهم قالوا: يا أبانا مُنِع منا الكيلُ إن لم نأت بأخينا معنا فابعثه معنا، فإنك إن بعثته معنا نكتل الطعام، وإنا لنتعهد لك بحفظه حتى يرجع إليك سالمًا.
فكان جواب أبيهم أنْ قال لهم: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه الشقيق: يوسف، من قبل؟! فقد أمنتكم عليه، وتعهدتم بحفظه، ولم تفوا بما تعهدتم به، فلا ثقة عندي بتعهدكم بحفظه، وإنما ثقتي بالله، فهو خير الحافظين لمن أراد حفظه، وأرحم الراحمين بمن أراد رحمته(3).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري (6133)، ومسلم (2998).
(2) أورد الحافظ ابن حجر في فتح الباري (15/ 530).
(2) المختصر في التفسير.









