يرسخ الإسلام في نفوس أتباعه منهجًا تربويًا ونفسيًا يقوم على دفع الحزن والنهي عن جلد الذات واجترار الآلام؛ إذ يكره الله تعالى لعباده المؤمنين أن يستسلموا لغمرات الأسى.
وهذا المنهج ليس عارضًا، بل هو خط مستمر وتوجيه رباني متكرر في أكثر من آية. ففي معركة أحد، تتابعت الغموم على الصحابة؛ من فوات النصر والغنيمة، إلى المصيبة والجراح، وصولًا إلى الغم الأكبر وهو شائعة قتل النبي ﷺ.
يقول تعالى: ﴿فَأَثَـٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمٍّ لِّكَیۡلَا تَحۡزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَاۤ أَصَـٰبَكُمۡ﴾. ﴿فَأَثَـٰبَكُمۡ﴾ أي: جازاكم على فعلكم ﴿غَمَّۢا بِغَمٍّ﴾ أي: غمًا يتبع غمًا، لكن الله بلطفه جعل اجتماع هذه الأمور لعباده المؤمنين خيرًا لهم، فقال: ﴿لِّكَیۡلَا تَحۡزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ﴾ من النصر والظفر، ﴿وَلَا مَاۤ أَصَـٰبَكُمۡ﴾ من الهزيمة والقتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول ﷺ لم يقتل هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتم بوجوده المسلي عن كل مصيبة.
وفي ملمح تفسيري آخر، عُلِّق هذا العطاء بقوله ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾، لتأتي حلاوة العفو الرباني فتمحو مرارة الهزيمة وألم الجراح ليخرج المؤمنين من دائرة جلد الذات الضيقة إلى عفوه الواسع.
ويتسع هذا المنهج في قوله تعالى: ﴿مَاۤ أَصَابَ مِن مُّصِیبَةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِیۤ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِی كِتَـٰبࣲ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَاۤۚ إِنَّ ذَ ٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣱ* لِّكَیۡلَا تَأۡسَوۡا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُوا۟ بِمَاۤ ءَاتَىٰكُمۡ﴾؛ حيث يربط القرآن دفع الحزن بالإيمان بالقدر، فإذا علم الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الحزن لا يرد الفائت بل يزيد قلبه انقباضًا، سكنت نفسه وتحرر من عقدة جلد الذات.
وهذا الفهم يورث أدبًا جمًّا مع الله فلا أسى على مفقود، ولا بطر مع موجود، دون أن يعطل ذلك سعي الإنسان في طلب الخير واتقاء الشر، كما قال جعفر الصادق "مالك تأسف على مفقود لا يرد إليك الفوت، ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت".
إن جلد الذات يحدث انقباضًا نفسيًا يعطل الإنسان عن مصالحه ويورثه عُقدًا تُعيق تفاعله مع الحياة؛ لذا جاء الإسلام ليحارب اجترار الماضي المؤلم، ويقطع الطريق على محاولات الشيطان لمحاصرة المؤمن بالهموم ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
والتربية الإلهية الحقّة تدعوك لتجاوز الماضي قائلًا: "قَدَرُ الله وما شاء فعل"، لتستقبل الحياة بصدرٍ منشرح ونفس منبسطة.
شاركونا في التعليقات:
ما الآية أو العبارة التي ترددها دائمًا لتتجاوز حزنك وتوقف جلد الذات؟









