قال الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. آية قصيرة تفتح أمام الإنسان سؤالًا كبيرًا: ماذا سيبقى منك بعد أن ترحل؟
فالموت يضع حدًا لأعمال الإنسان في الحياة الدنيا، لكنه لا يضع بالضرورة حدًا لنتائجها وآثارها.
ما الذي قدمناه؟
قوله تعالى: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ يشمل ما عمله الإنسان في حياته من خير أو شر، فكل عمل تقوم به اليوم تقدمه لنفسك غدًا؛ كما يقدم المسافر زاده ومتاعه إلى مكان سفره. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
فلتكن على يقين أن كل قرار تتخذه، وكل كلمة تقولها، وكل معروف تفعله، هو شيء تضعه في رصيدك الأخروي.
مساحة أكثر عمقًا:
وتنقلنا الآية إلى مساحة أخرى وهي الآثار، فالعمل هو ما تفعله أنت، أما الأثر فهو ما يبقى من عملك بعد أن ينتهي فعلك.
فقد تنتهي من تعليم طالب، لكن العلم الذي تعلمه منك قد يظل معه سنوات، وربما يعلمه لغيره.
وقد تتصدق على إنسان، وتنتهي لحظة العطاء، لكن أثر هذه الصدقة قد يستمر في حياته وحياة أسرته.
وقد تبني مسجدًا وتنتهي عملية البناء، لكن كل عبادة تُقام فيه، يمكن أن يكون امتدادًا لذلك العمل.
نماذج نبوية:
وبين النبي ﷺ أن هناك أعمالًا يستمر نفعها للإنسان بعد وفاته، فقال: (سبعٌ يَجري للعبد أجرُهنَّ وهو في قبره بعد موته: مَن علَّم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجدًا، أو ورَّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته) [صحيح الترغيب].
وهذا يلفت النظر إلى أن أبواب الأثر الصالح ليست محصورة في المال، وليس كل أثر يحتاج إلى شهرة، فأحيانًا يكون أعظم أثرك علمًا، أو تعليمًا، أو بناءً، أو إصلاحًا، أو تربية.
صور معاصرة:
وقد تصنع أنت مقطعًا دينيًا في دقائق، فيصل إلى ملايين ينتفعون به بعد موتك.
والمعلم الذي يصنع محتوى تعليميًا نافعًا، قد ينتفع به طالب بعد سنوات من رحيله.
والباحث الذي ينشر علمًا موثقًا، قد يفتح الطريق أمام باحثين لم يلتق بهم قط.
ومن ينشئ منصة تعليمية، أو مكتبة رقمية، قد يظل أثره ممتدًا إلى أجيال.
والأب الذي يربي أبناءه على الخلق الحسن، يترك جيلًا يحمل ما زرعه فيهم.
الجانب المظلم:
ولتعلم أن الآثار ليست كلها حسنة، فكما يمكن للإنسان أن يترك وراءه علمًا نافعًا، يمكن أن يترك معرفة تُستخدم في الباطل، كتعليم السحر والتنجيم.
وكما يمكن أن يفتح بابًا للخير بنشر الحجاب، يمكن أن يفتح بابًا للشر بترويج الأزياء الخليعة.
وقد ينشر فكرة منحرفة، أو يصنع محتوى يدفع الآخرين إلى معصية، كمن يروج للأفلام والأغاني الهابطة.
وقد يشارك إشاعة أو معلومة مضللة، فتنتشر في لحظات، وتؤثر في سمعة إنسان.
ولهذا يقول تعالى: ﴿لِیَحۡمِلُوۤا۟ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةࣰ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِینَ یُضِلُّونَهُم بِغَیۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَاۤءَ مَا یَزِرُونَ﴾.
خاتمة:
إن عمرك يُقاس بالسنوات، لكن قيمة الأثر تُقاس بما أحدثته من خير أو شر، ولهذا كان من أعظم صور التوفيق أن تفكر في أثر وأنت ما تزال قادرًا على صناعته، فاختر أن يكون لك أثر يشهد لك، لا عليك.
اكتب في التعليقات:
ما الأثر الذي تتمنى أن تتركه بعد موتك؟
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy