ليس كل من عرف الحق بلَّغه، وليس كل من أوتي العلم أدَّى أمانته. وقد كشف القرآن عن جريمةٍ عظيمة تهدم الهداية وتضل الناس.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].
ذكر المفسرون أن الآية نزلت في علماء اليهود الذين أخفوا ما ورد في التوراة من صفة النبي ﷺ، وكتموا آية الرجم وغيرها من الأحكام، حسدًا وبغيًا، مع علمهم بصدق ما جاء به.
وفسر الإمام الطبري البينات بأنها الأدلة الواضحة التي تدل على نبوة سيدنا محمد ﷺ، وما اشتملت عليه الكتب السابقة من صفاته وعلامات بعثته، أما الهدى فهو ما أنزله الله من الشرائع والأحكام التي تهدي الخلق إلى الحق.
فالمذموم في الآية ليس مجرد الجهل، وإنما كتمان العلم بعد معرفته، وإخفاء الحق بعد أن أقام الله عليه الحجة وبيّنه للناس.
ورغم أن سبب النزول خاص بعلماء أهل الكتاب، فإن جمهور المفسرين، ومنهم الطبري والقرطبي، قرروا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولذلك فالآية تشمل كل من كتم علمًا شرعيًا يجب بيانه، سواء كان متعلقًا بالعقيدة أو الأحكام أو ما يحتاج إليه الناس في دينهم. واستدلوا على ذلك بحديث النبي ﷺ: «من سُئل عن علم يعلمه فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار».
وتأمل شدة الوعيد في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾؛ فاللعن في لغة العرب هو الطرد والإبعاد، أي أن الله يبعدهم عن رحمته بسبب خيانتهم لأمانة العلم.
ثم قال: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾، والراجح – كما اختاره الطبري – أن المراد بهم الملائكة والمؤمنون، لأنهم يدعون على من حال بين الناس وبين هداية الله، وإن كان قد وردت أقوال أخرى عن بعض السلف بأن سائر المخلوقات تلعنهم إذا ترتب على ذنوبهم فساد في الأرض.
ومع ذلك، بيّن القرطبي أن هذه الآية لا تعني وجوب نشر كل ما يُعلم في كل حال، وإنما الواجب هو بيان العلم الذي يحتاج إليه الناس في أمر دينهم، أما ما يؤدي نشره إلى فتنة، أو يوقع العامة في الشبهات، أو لا يحسنون فهمه، فإن الحكمة تقتضي تأخير بيانه أو تخصيصه بأهله، جمعًا بين أداء الأمانة ومراعاة المصلحة الشرعية.
واعلم إن هذه الآية تذكر كل طالب علم وداعية ومربٍ بأن العلم ليس تشريفًا فحسب، بل هو مسؤولية وأمانة، وأن أعظم الخيانة أن يُحجب الحق عن الناس بعد ظهوره، أو يُبدَّل أو يُحرَّف طلبًا لمنفعة أو خوفًا من ملامة. فبقاء نور الوحي ظاهرًا في الأمة إنما يكون بصدق العلماء في البلاغ، وإخلاصهم في البيان، وتجردهم للحق.
والآن دورك:
في رأيك، ما أخطر صورة من صور كتمان الحق أو تحريفه التي يواجهها المسلم اليوم، وكيف يمكن لأهل العلم وطلاب العلم التصدي لها؟ شاركنا في التعليقات









