قد لا يكون الإنسان مجرمًا أو ظالمًا، لكنه يصبح جزءًا من الجريمة وركنًا من أركان الظلم حين يوفر للظالم أو المجرم ما يعينه على الاستمرار والتمادي.
ومن هنا جاء التحذير القرآني من الوقوف مع الظالم ومعاونته على ارتكاب جريمته، قال الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. فالظهير هو المعين والسند.
الإعانة جريمة:
إن الإنسان لا يُسأل فقط عن الأذى الذي باشره بيده، وإنما تبرز مسؤوليته كذلك فيما أعان عليه، وما سهّله، وما دافع عنه.
فقد يكون بعيدًا عن موقع الجريمة، لكنه قد يصبح شريكًا في آثارها، حاملًا من أوزارها بقدر ما أعان عليه منها؛ لأنه قدم للمعتدي ما يحتاج إليه ليستمر، أو ساعده على الإفلات من المساءلة.
الخطر الأكبر:
والخطر الأكبر في هذا المسلك أننا نوفر بيئة يجد فيها المعتدي من يسانده، أو من يبحث له عن المبررات كسبًا لوده، أو طمعًا فيما يملكه، أو خوفًا من بطشه وعقابه، أو مسايرة لمجتمع في ضلالته وظلماته، فينتشر الظلم وتعم الجريمة دون رادع.
فالجريمة تستمر حين تجد حولها شبكة من الإعانة والتبرير، وقد لا يحتاج الظالم في بعض الأحيان إلى شخص يشاركه اعتداءه مباشرة؛ ويكفيه من يغيّر الحقائق، أو من يستخدم مكانته لإغلاق باب المطالبة بالحق.
صور معاصرة:
وإعانة المجرم الظالم على ظلمه تجدها في واقعنا المعاصر في صور شتى؛ فقد تكون هذه الإعانة شهادة زور تثبت باطلًا، أو استخدامًا للنفوذ لحماية المعتدي، أو كلمة في الإعلام تشويهًا للمظلوم.
وقد تظهر في بيئة العمل حين يعرف الموظف أن زميلًا يتعرض لظلم متعمد، فيشارك في إخفاء الحقيقة خوفًا على موقعه.
وقد تظهر في العالم الرقمي بصورة أكثر اتساعًا؛ حين يعيد الإنسان نشر اتهام لم يتحقق منه، أو يشارك في التشهير بشخص لم تثبت إدانته، أو يقتطع كلامًا من سياقه لتشويه إنسان، أو يروّج رواية ظالمة لأنه يوافق صاحبها أو ينتمي إلى دائرته.
وقد تظهر في المجتمع حين يُظلم شخص ضعيف فلا يجد من يتحدث عنه، بينما تتسع دائرة المتحدثين للدفاع عن صاحب النفوذ.
نصرة المظلوم:
إن من حق الإنسان أن يجد من يقف إلى جانبه حين يُهضم حقه، ومن يرد عنه الأذى، لذا قال النبي ﷺ: (ما من امرئٍ يخذل امرءًا مسلمًا في موطنٍ يُنتَقَصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه، إلا خذله اللهُ تعالى في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه، وما من أحدٍ ينصر مسلمًا في موطنٍ يُنتقَصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه، إلا نصره اللهُ في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه) [صحيح الجامع].
نصرة الظالم:
ولايكفي أن تقف إلى جانب المظلوم، وتنصره، بل إن للمسلم موقفًا واضحًا تجاه المجرمين في حق عباد الله.
قال النبي ﷺ: (انصُرْ أخاك ظالِمًا أو مَظلومًا). فقال رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ، أنصُرُه إذا كان مَظلومًا، أفَرَأيتَ إذا كان ظالِمًا، كيفَ أنصُرُه؟ قال: (تَحجُزُه -أو تَمنَعُه- مِنَ الظُّلمِ؛ فإنَّ ذلك نَصرُه) [صحيح البخاري].
فنصرة الظالم في منعه من الاستمرار فيه، فإذا حجزته عن الاعتداء، فقد نصرته على نفسه وهواه، وحميته من الاستمرار في طريق يترتب عليه من الأذى والإثم ما لا يقتصر عليه وحده، قال الله تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا۟ فِتۡنَةࣰ لَّا تُصِیبَنَّ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمۡ خَاۤصَّةࣰۖ﴾.
خاتمة:
لقد كان موسى عليه السلام قادرًا على أن يعيش بمنطق القوة الذي كان سائدًا في زمانه، وأن يجعل من قدرته وسيلة لحماية من يريد، لكنه اختار أن يعلن موقفًا واضحًا: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.
شاركنا رأيك:
أحيانًا يكون السكوت سندًا للظالم.. هل تتفق؟
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy