سحر بابل والملكان هاروت وماروت!

سحر بابل والملكان هاروت وماروت!
2025/09/17

يقول الله جل ثناؤه:
﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتۡلُوا۟ ٱلشَّیَـٰطِینُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَیۡمَـٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَیۡمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّیَـٰطِینَ كَفَرُوا۟ یُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَاۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَیۡنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَۚ وَمَا یُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ یَقُولَاۤ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةࣱ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَیَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا یُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَیۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَاۤرِّینَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَیَتَعَلَّمُونَ مَا یَضُرُّهُمۡ وَلَا یَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ مِنۡ خَلَـٰقࣲۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡا۟ بِهِۦۤ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ١٠٢]
لم يرِدْ أيُّ ذكرٍ لهذيْنِ الملكيْنِ (هاروت وماروت) في الكتاب العزيز إلا في هذا الموضع المذكور من سورة البقرة، كما لم يرد لقصتهما أيُّ ذكر في حديث صحيح عن النبي ﷺ.
ومن تأمل هذه الآية أدرك أن هاروت وماروت إنما هما ملكان من الملائكة، وليسا من البشر، وأن الله تبارك تعالى أذن لهما في تعليم السحر، فتنةً وابتلاءً لعباده، وأنهما لم يكونا يعلِّمان أحدًا، ولا يدخلانه تلك الفتنة، حتى ينصحاه، ويبينا له خطر ما هو مُقدمٌ عليه، وينهياه عن الكفر بالله، والعمل بمعصيته.
وهذا القدر هو الحقُّ في شأن هاروت وماروت مما أخبرنا به اللهُ عز وجل في كتابه الكريم، ومَنِ ادَّعي أنهما كانا من البشر، أو أنهما ملَكان وقعا في معصية فمسخهما الله تعالى؛ فقد تكلم في أمر غيبيٍّ بلا علم، وادَّعى أمرا يتنقص به ملائكة الرحمن المكرمين، واعتقد بما في كتب بني إسرائيل، بغير شاهد صدق له من الوحي المعصوم.

إسرائيليات لا يصح منها شيء:
وقد ساق ابنُ كثير رحمه الله في تفسيره جملةً من الروايات التي تزدحم بها غالبُ كتب التفسير في شأن هاروت وماروت، ثم عقَّب بقوله:

"وقد رُوي في قصة هاروت وماروت عن جماعةٍ من التابعين، كمجاهد والسُّدِّي، والحسن البصري، وقَتادة وأبي العالية والزهري، والرَّبيع بن أنس، ومقاتل بن حيَّان، وغيرهم، وقصَّها خَلْقٌ من المفسِّرين من المتقدِّمين والمتأخِّرين، وحاصلها راجعٌ في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديثٌ مرفوع صحيح، متَّصل الإسناد إلى الصَّادق المصدوق المعصوم، الذي لا يَنطِق عن الهوى، وظاهرُ سياق القرآن إجمالُ القِصَّة من غير بسْط ولا إطناب فيها، فنحن نُؤمِن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلمُ بحقيقة الحال" [تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي (1/ 532)]

وقال القاضي عياض -رحمه الله- في شأن "قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا ذَكَرَ فِيهَا أَهْلُ الْأَخْبَارِ وَنَقَلَةُ الْمُفَسِّرِينَ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي خَبَرِهِمَا وَابْتِلَائِهِمَا: فَاعْلَمْ -أَكْرَمَكَ اللَّهُ- أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَمْ يُرْوَ مِنْهَا شَيْءٌ لَا سَقِيمٌ وَلَا صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا يُؤْخَذُ بِقِيَاسٍ.. وَالَّذِي مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ، وَأَنْكَرَ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ كَمَا سنذكره. وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ وَافْتِرَائِهِمْ، كَمَا نَصَّهُ اللَّهُ أَوَّلَ الْآيَاتِ مِنَ افْتِرَائِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى سُلَيْمَانَ وَتَكْفِيرِهِمْ إِيَّاهُ. وَقَدِ انْطَوَتِ الْقِصَّةُ على شُنَعٍ عظيمة …" [الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 399-400)].
وكل ما عدا ظاهر القرآن في حال هذيْنِ الملَكيْنِ؛ فهي روايات ضعيفة مأخوذة عن الإسرائيليات، يردُّها ما ثبت في الأخبار الصحيحة والقواعد المقررة عن عصمة الملائكة -عليهم السلام-، على وجه العموم، دون ورود استثناء لهذا لأصل العام، كما في قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء/26-28].

تفسير الآية:

ولنا بعد ذلك وقفة مع تفسير الآية: 
إن هذه الآية متعلقة بالآية السابقة لها التي تتحدث عن اليهود: ﴿وَلَمَّا جَاۤءَهُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِیقࣱ مِّنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ١٠١]
أي ولما جاءهم (اليهودَ) محمدٌ رسولُ الله ﷺ بالقرآن الموافق لما معهم من التوراة طرح فريقٌ منهم كتابَ الله، وجعلوه وراء ظهورهم، شأنهم شأن الجهال الذين لا يعلمون حقيقته. [التفسير الميسر]
ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن مَن ترك ما ينفعه، وأمكنه الانتفاعُ به فلم ينتفع، ابتُلي بالاشتغال بما يضرُّه … كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ما تتلو الشياطينُ وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر، وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم، وهم كذَبةٌ في ذلك، فلم يستعمله سليمان، بل نزهه الصادق في قيله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي: بتعلم السحر، فلم يتعلمه، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ بذلك. 
﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم، وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاءً من الله لعباده فيعلمانهم السحر.
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى﴾ ينصحاه، و﴿يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي: لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال، ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام، وتعليم الملكيْن امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة. 
فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين، والسحر الذي يعلمه الملكان، فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين، وكل يصبو إلى ما يناسبه.
ثم ذكر مفاسد السحر فقال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما، لأن الله قال في حقهما: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين. ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة، ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي، كما قال تعالى في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فهذا السحر مضرة محضة، فليس له داع أصلا، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة، أو شرها أكبر من خيرها. كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها.
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ أي: اليهود ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي: رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة.
﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلا، ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ علما يثمر العمل ما فعلوه". [تفسير السعدي]
💡الكثيرون يجهلون الحقيقة وراء قصة هاروت وماروت … ساهم في نشر العلم الصحيح وشارك المقال مع من تُحبُّ!🌿

بحث

الأكثر تداولاً

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة