ليست أزمة الناس اليوم في قلة الكلام، بل في رخص الكلمة. تُطلق الوعود بسهولة، وتُبرم الاتفاقات سريعًا، ثم تُنسى عند أول مصلحة و أول عائق.
حتى أصبح كثير من الناس لا يطمئن إلى وعد، ولا يثق في عهد، ولا يأمن على حقه إلا بوثيقة أو شاهد.
وسط هذا الواقع، يعيد القرآن للكلمة قيمتها، وللعهد هيبته، فيقول تعالى:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
لم يجعل الله الوفاء بالعهد خُلُقًا اختياريًا يتحلى به من شاء، بل أمر به أمرًا جازمًا، ثم ختم الأمر بقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾؛ ليشعر المؤمن أن كل عهد يقطعه، وكل وعد يلتزم به، وكل عقد يبرمه، سيقف يومًا بين يدي الله ليُسأل عنه: هل وفّى به أم نقضه؟ إنه ليس خلق إجتماعي، بل عبادة ومسؤولية بين يدي الله.
وقد بيّن الإمام الطبري أن العهد يشمل كل ما يتعاقد عليه الناس من بيعٍ وإجارةٍ وصلحٍ وسائر الحقوق، كما يشمل العهد مع الله تعالى بالقيام بأوامره واجتناب نواهيه.
ويزيد الزجاج – كما نقل الإمام القرطبي – هذا المعنى وضوحًا بقوله: "كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد". فالصلاة عهد، والأمانة عهد، وبر الوالدين عهد، وأداء الحقوق عهد، وليس الوفاء مقصورًا على العقود المكتوبة، بل يشمل كل التزام قطعه المسلم أمام ربه أو أمام الناس.
ولهذا كان الوفاء بالعهد من أوضح صفات المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، وجعل النبي ﷺ الغدر بالعهد من خصال النفاق فقالﷺ: «……وإذا عاهد غدر».
ولو تأملنا كثيرًا من الخلافات التي نعيشها اليوم، لوجدنا أنها لم تبدأ بعداوة، وإنما بدأت بوعدٍ لم يُنفذ، أو موعدٍ لم يُحترم، أو دينٍ تأخر صاحبه عن سداده، أو أمانةٍ ضاعت، أو التزامٍ نُقض.
فالوفاء بالعهد لا يحفظ الحقوق فحسب، بل يحفظ القلوب أيضًا، ويصنع الثقة التي تقوم عليها البيوت، وتستقيم بها المعاملات، ويأمن بها المجتمع.
ولتحويل هذه الآية إلى سلوك عملي، جرّب هذا الأسبوع:
1- راجع عهدك مع الله، واسأل نفسك: ما العبادة التي قصّرت فيها رغم أنك عاهدت الله عليها؟
2- اكتب كل وعد أو حق أو أمانة ما زالت في ذمتك، ثم بادر بالوفاء بواحد منها اليوم.
3- لا تعطِ وعدًا جديدًا إلا إذا كنت قادرًا على الوفاء به.
4- اجعل شعارك في كل تعاملاتك: إذا قلت فعلت، وإذا عاهدت وفيت.
وختامًا:
لو وقفت اليوم بين يدي الله، وسألك عن عهودك مع الناس ومعه سبحانه، فكم عهدًا ستقول: وفيت به؟
ابدأ من اليوم... واجعل كلمتك عهدًا، لا مجرد كلام.

انضم الآن لقناتنا علي واتساب لمتابعة كل جديد أولًا..









