تأملات قرآنية في قوله تعالى: "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا"

تأملات قرآنية في قوله تعالى: "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا"
2025/08/07

يظلّ القرآن الكريم مصدراً لا ينضب للتأمل والتدبر، يفتح للقلوب أبواب الهداية، وللعقول آفاق الإدراك. ومن الآيات التي تزلزل الوجدان وتدعو إلى مراجعة الذات، قوله تعالى:
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103-104].
آية تهزّ القلب بوقعها، وتحمل في طيّاتها إنذارًا شديدًا للمخدوعين بظاهر أعمالهم، والغافلين عن حقيقتها ومآلها.

 

 معنى الآية وتفسيرها

قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم}، أي أخبركم بأشدّ الناس خسرانًا في أعمالهم؟ ثم يوضح الحقّ تعالى من هم هؤلاء: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ} أي ذهبت أعمالهم سدى، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ}، أي يظنون أنهم على الحق، وهم في واقع الأمر غارقون في الباطل.

قال الإمام الطبري في تفسيره: "هم الذين جهدوا في غير طاعة الله، وظنّوا أنهم محسنون، وهم مبطلون"
وقال ابن كثير: "هم الذين اتّبعوا الأعمال الباطلة، على غير هدى من الله، يظنون أنهم على شيء، فإذا هم لا شيء".

 الخسارة الحقيقية

ليس كل خسارة تُقاس بالمال أو المناصب، بل أعظم الخسائر أن تُنفق عمرك، وتجتهد ببدنك، وتُظهر الإحسان، ثم تُفاجأ يوم القيامة أن كل ذلك كان هباءً منثورًا.

قال رسول الله ﷺ:
"إنّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركُ الأصغرُ" قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياءُ"
— [رواه أحمد (23630) وقال الهيثمي: رجاله ثقات].

فالرياء، والعمل لغير الله، والتشبث بالباطل على ظنّ الصواب، كلها من أسباب الخسران الموصوف في الآية.

 صور معاصرة من "الذين ضل سعيهم"

يعمل أحدهم ليل نهار في مجال الدعوة أو الخير، لكنه لا يبتغي وجه الله، إنما الشهرة، أو الحظوة، أو السمعة.
ويُنشئ آخر مشاريع خيرية أو محتوى نافع، لكن بنيّات فاسدة، أو ببدع محدثة، أو بظلم للناس.

كل هؤلاء "يحسبون أنهم يحسنون صنعًا"، بينما أعمالهم لا تُقبل، لأن النية ضالة الأعمال، والميزان الحقيقي عند الله لا يخطئ.

 رسالة معاصرة

في زمن اختلطت فيه المعايير، وتزيّن الباطل، وتقدّمت القشور على الجواهر، تأتي هذه الآية كجرس إنذار يوقظ النائمين: راجعوا نياتكم، راجعوا منهجكم، ولا تنخدعوا بكثرة الأتباع، ولا ببريق الشهرة، ولا بتصفيق الجماهير.

ما دام العمل لا يُبتغى به وجه الله، ولا يُؤدّى على هدي النبي ﷺ، فهو مردود، ولو بدا في أعين الناس عظيمًا.

قال الشاعر:

كم من صحيحٍ بدا للناسِ منزلةً
فوق السحابِ، ولكنْ قلبُه مُلتاثُ

وأين طريق النجاة ؟

لا نجاة للعبد إلا بتحقيق شرطين لقبول العمل، كما ذكر العلماء، وعلى رأسهم ابن القيم رحمه الله:

  1. الإخلاص لله في العمل

  2. المتابعة لهدي النبي ﷺ

فالإخلاص يُنقّي العمل، والمتابعة تُوجّهه على الطريق الصحيح، وبغير هذين، تكون الخسارة حتمية، ولو عَظُمَ العمل في ظاهره.

رسالة لك

قف مع نفسك لحظة… واسألها: هل أنا من "الذين ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا"؟
صحّح نيتك قبل أن تُفضح، وتفكّر في مآلك قبل أن تُبصر الحق بعد فوات الأوان.
فيا من تبحث عن القبول… أصلح ما بينك وبين الله، يُصلح الله ما بينك وبين خلقه، ويكتب لك السعادة في الدارين.

اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، وعلى سنة نبيك العظيم، ولا تجعلنا من الأخسرين أعمالًا.

 

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة