الأعمى الذي غيّر ميزان الاهتمام: قصة ملهمة من سورة "عبس"

الأعمى الذي غيّر ميزان الاهتمام: قصة ملهمة من سورة "عبس"
2025/06/12

عاتب الله نبيَّه محمدًا ﷺ في سورة "عبس" عتابًا رقيقًا حين أعرض عن صحابي جليل، وهو أعمى جاء يطلب الهداية. هذا العتاب يحمل دروسًا بليغة في فقه الدعوة، وأدب التعامل مع الناس، وميزان الاهتمام بطالبي العلم.

 

قال السعدي في قول الله تعالى (عَبَسَ وَتَوَلَّىٰۤ):

وسبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل النبي ﷺ ويتعلم منه. وجاءه رجل من الأغنياء، وكان ﷺ حريصًا على هداية الخلق، فمال ﷺ وأصغى إلى الغني، وصد عن الأعمى الفقير، رجاء لهداية ذلك الغني، وطمعًا في تزكيته، فعاتبه الله بهذا العتاب اللطيف، فقال: ﴿عَبَسَ﴾ أي: في وجهه ﴿وَتَوَلَّى﴾ في بدنه.

 

قال السمعاني في تفسيره:

قَولُه تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) هو الرسول ﷺ في قول الجميع... وقوله: أن جاءه الأعمى... هو عبدالله بن أم مكتوم رضي الله عنه في قول الجميع.

 

وقال ابن العربي في "أحكام القرآن":

 لا خلاف أنها نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى رضي الله عنه.

 

وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها

(أُنْزِلَ: عَبَسَ وَتَولَّى في ابنِ أمِّ مَكْتومٍ الأعمى، أتى رسولَ اللَّهِ ﷺ فجعلَ يقولُ: يا رسولَ اللَّهِ أرشِدني، وعندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ رجلٌ من عُظماءِ المشرِكينَ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُعرضُ عنهُ ويُقبلُ على الآخَرِ، ويقولُ: أترى بما أقولُ بأسًا؟ فيقولُ: لا، ففي هذا أُنْزِلَ) [أخرجه الترمذي (3331) وصححه الألباني]

 

وعن معمر، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه في قوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى)، قال: (جاء ابنُ أُمِّ مَكتومٍ إلى النَّبيِّ ﷺ، وهو يُكَلِّمُ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ، فأعرَضَ عنه؛ فأنزل اللهُ عَبَسَ وَتَوَلَّى، فكان النَّبيُّ ﷺ بعْدَ ذلك يُكْرِمُه) [أخرجه أبو يعلى (3123). قال الوادعي في صحيح أسباب النزول: رجالُه رجالُ الصَّحيحِ]

 

عتاب مع  تلطف في مخاطبة النبي ﷺ:

وفي قَولِه تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى*أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) تلطف الله عز وجل بمخاطبة النبي ﷺ؛ فقال سبحانه ثلاث كلمات بصيغة الغائب، ولم يُخاطب النبي ﷺ مباشرة، لأن العتاب لو جاء بصيغة المخاطب لكان أشدّ وقعًا عليه، لكن جعل الحكم للغائب؛ كراهية أن يخاطب النبي ﷺ بهذه الكلمات الشديدة.[تفسير ابن عثيمين]

وجاء في تفسير ابن جزي

قال ابن عطية: في مخاطبته بلفظ الغائب مبالغة في العتب؛ لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال الزمخشري: في الإخبار بالغيبة زيادة في الإنكار، وقال غيرهما، هو إكرام للنبي ﷺ وتنزيه له عن المخاطبة بالعتاب، وهذا أحسن.

 

السر في التعبير عنه بلفظ (الأعمى):

لماذا عبر سبحانه عن هذا الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه بلقب يكرهه الناس، مع أنه قال: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) [الحجرات: 11]؟

الجواب من وجهين:

الأول: أن السر في التعبير عنه بلفظ: (الأعمى) للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول ﷺ؛ لأنه لو كان يرى ما هو مشتغل به مع صناديد الكفار، لما قطع كلامه.[ نظم الدرر للبقاعي]

الثاني: جاء لفظ (الأعمى)؛ إشعارا بما يناسب من الرفق به، و الإنصات لما يقصده؛ وترقيقا للنبي ﷺ؛ ليكون العتاب ملحوظًا فيه أنه لما كان ضريرًا، فهو أجدر بالعناية به؛ لأن مثله يكون سريعًا إلى انكسار خاطره. [تفسير ابن عاشور]

 

هل عبوسة ﷺ أمر لا يتفق في الظاهر مع قوله تعالى في حقه ﷺ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقوله ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]؟

جاء في أضواء البيان للشنقيطي:

أنه ﷺ لم يتكلم بما يسيء إلى هذا الصحابي في نفسه بشيء يسمعه فيزعجه، كل ما كان منه ﷺ إنما هو تقطيب الجبين، وهذه حركة مرئية لا مسموعة. والحال: أن هذا أعمى لا يرى تلك الحركة، فكأنه لم يلق إساءة منه ﷺ .

ثم إن تقطيب الجبين وانبساط أسارير الوجه لحزن أو فرح، يكاد يكون جبليًا مما كان منه ﷺ، فهو من باب الجبلية تقريبًا، كأن المثير له غرض عام من خصوص الرسالة ومهمتها.

وعلى هذا يكون المراد بهذا أمران:

الأول: التسامي بأخلاقه ﷺ إلى ما لا نهاية له، إلى حد اللحظ بالعين، والتقطيب بالجبين، ولو لمن لا يراه.

والثاني: تأديب للأمة وللدعاة خاصة، في شخصية رسول الله ﷺ كما علمهم في شخصيته في بر الوالدين، في قوله تعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما﴾ [الإسراء: ٢٣] .

 

ويستفاد من هذا التوجيه الرباني:

1-الحث على الترحيب بمن يطلب الهدى، والإقبال عليهم في مجالس العلم، وقضاء حوائجهم، وعدم إيثار الأغنياء عليهم. [الإكليل للسيوطي]

2-ألا يكون هم الدعاة همًا شخصيًا، بل يكون همهم همًا معنويًا، وألا يفضلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.[تفسير ابن عثيمين]

3- ينبغي الإقبال على طالب العلم المفتقر إليه الحريص عليه؛ أزيد من غيره. [تفسير السعدي]

 

وأخيرًا:

تُظهر هذه الآيات الكريمة سمو أخلاق النبي ﷺ، وحرص الإسلام على الإنصاف والرحمة بالضعفاء، وتؤكد أن دعوة الحق لا تفرق بين غني وفقير. وفيها توجيه خالد للدعاة أن يزنوا الناس بحبهم للحق لا بمكانتهم الدنيوية.

 

سؤال تفاعلي لنستفيد من تجربتك:

هل سبق أن وجدت نفسك تفضل شخصًا على آخر في الحديث أو الاهتمام بسبب مظهره أو مكانته الاجتماعية؟ كيف شعرت بعدها؟


 

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة