ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ما هي هذه الآيات؟

ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ما هي هذه الآيات؟
2026/11/02

سأل التابعيُّ عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ أمَّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها قَالَ:

أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟

 قَالَ: فَسَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي، قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي"، قُلْتُ: وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي.

 قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى وَكَانَ جَالِساً، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأَرْضَ.

 فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟!

قَالَ ﷺ: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190]، الآيَةَ كُلَّهَا(1).

فهذا وعيدٌ لمن قرأ هذه الآيات ولم يتفكر فيها لأن "فيها لطائف عظيمة وعوارف جسيمة لمن تأمل في مبانيها وظهر له بعض معانيها"(2).

وقد وقع هذا الوعيد موقعًا في نفس أحد رواة الحديث وهو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ فسأل الإمامَ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ أَدْنَى مَا يَتَعلق بِهِ الْمُتَعَلِّقُ مِنَ الْفِكْرِ فِيهِنَّ وَمَا يُنْجِيهِ مِنْ هَذَا الْوَيْلِ؟ فَأَطْرَقَ هُنَيّة ثُمَّ قَالَ: "يَقْرَؤُهُنَّ وَهُوَ يَعْقلُهُن"(3).

أي: يعرف تفسيرهن؛ لأن الذي لا يعقل ما يقول، ويسهو بتفكيره عن معنى ما يقوله، فقد خرج من الخشوع إلى الغفلة، وهو داخل في وعيد النبي صلى الله عليه وسلم.

معاني الآيات:

﴿إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَـٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ﴾ [آل عمران ١٩٠]

يخبر الله تعالى أن في خلق السموات والأرض على غير مثال سابق، وفي تعاقُب الليل والنهار، واختلافهما طولًا وقِصَرًا، لَدلائلَ وبراهين عظيمة على وحدانية الله لأصحاب العقول السليمة.

﴿ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَـٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَـٰذَا بَـٰطِلࣰا سُبۡحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران ١٩١]

الذين يذكرون الله في جميع أحوالهم: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وهم يتدبرون في خلق السموات والأرض، قائلين: يا ربَّنا ما أوجدت هذا الخلق عبثًا، فأنت منزَّه عن ذلك، فاصْرِفْ عنا عذاب النار.(4)

ففي هذه الآيات حثَّ الله سبحانه العبادَ على التفكر فيها، والتبصر بآياتها، وتدبر خلقها، وأبهم قوله: (آيات) ولم يقل: "على المطلب الفلاني" إشارة لكثرتها وعمومها، وذلك لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية.(5)

الجمع بين التفكر والتهجد:

وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ هذه الآيات إذا قام من الليل في تهجده:
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وِسَادَةٌ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي طُولِهَا، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَاتِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ، ثُمَّ أَتَى شَنًّا مُعَلَّقًا، فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ»(6)

وفي بعض الروايات أنه قرأ آيتين فقط من هذه العشر: "فقامَ نَبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن آخِرِ اللَّيلِ، فخَرَجَ فنَظَرَ في السَّماءِ، ثُمَّ تَلا هذه الآيةَ في آلِ عِمرانَ ﴿إنَّ في خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ واختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ﴾ حتَّى بَلَغَ ﴿فقِنا عَذابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190 - 191]، ثُمَّ رَجَعَ إلى البَيتِ فتَسَوَّك وتَوضَّأ، ثُمَّ قامَ فصَلَّى ثُمَّ اضطَجَعَ ثُمَّ قامَ، فخَرَجَ فنَظَرَ إلى السَّماءِ، فتَلا هذه الآيةَ، ثُمَّ رَجَعَ فتَسَوَّك فتَوضَّأ، ثُمَّ قامَ فصَلَّى"(7)

قال النووي رحمه الله: "فيه أنه يستحب قراءتها عند الاستيقاظ في الليل مع النظر إلى السماء لما في ذلك من عظيم التدبر، وإذا تكرر نومه واستيقاظه وخروجه استحب تكريره قراءة هذه الآيات كما ذكر في الحديث"(8)

وقال القرطبي: "فانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في المخلوقات ثم إقباله على صلاته بعده، وهذه السنة هي التي يعتمد عليها. فأما طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم يوما وليلة وشهرا مفكرا لا يفتر، فطريقةٌ بعيدة عن الصواب غير لائقة بالبشر، ولا مستمرة على السنن"(9)

فالتفكر في آيات الله المشهودة والاعتبار بها عبادة عظيمة من أعمال القلوب، وقد حض الله سبحانه عباده عليها، وذم الغافل عنها؛ لما يتوصل إليه الإنسان به من المطالب العالية والإيمان واليقين والحكمة.

يقول الشيخ السعدي رحمه الله: "مجرد نظر العين، وسماع الأذن، وسير البدن الخالي من التفكر والاعتبار، غير مفيد، ولا موصل إلى المطلوب"(10)

وقال ابن تيمية: والنظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه التفكر والاعتبار مأمور به مندوب إليه.(11)

ثمرات التفكر ومنافعه:

التفكر عبادة قلبية عظيمة الشأن، وهو مفتاح الخيرات وطريق النجاة. ومن أبرز ثماره وفوائده في حياة المسلم:

1-زيادة الإيمان واليقين: 
قال ابن العربي تعقيبًا على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ یَنظُرُوا۟ فِی مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَیۡءࣲ وَأَنۡ عَسَىٰۤ أَن یَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَیِّ حَدِیثِۭ بَعۡدَهُۥ یُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف ١٨٥] : أمر الله تعالى بالنظر في آياته، والاعتبار بمخلوقاته في أعداد كثيرة من آي القرآن، أراد بذلك زيادة في اليقين، وقوة في الإيمان، وتثبيتا للقلوب على التوحيد. 

 وقد روى ابنُ القاسم عن مالكٍ؛ قال: قيل لأم الدرداء: ما كان أكثر شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر. 
قيل له: أفترى الفكر عملا من الأعمال؟ قال: نعم. هو اليقين.(12)

2- مبدأ الخيرات كلها: 
قال ابن القيم: "الفكر هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها. . . والخير والسعادة في خزانة مفتاحها التفكر"(13)

وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز: "اعلم أن التفكير يدعو إلى الخير والعمل به".(14)

3- إحياء القلوب وطرْد الغفلة: 
التفكر من أنفع أعمال القلوب وأجلّها؛ فهو يزيل الغفلة ويجلب الخشية، وكما يحيي الماء الأرض الميتة، فإن الفكرة تُحيي القلب وتستنير بها البصيرة.

قال ابن القيم: "التفكر من أفضل أعمال القلب وأنفعها له حتى قيل: تفكر ساعة خير من عبادة سنة"(15)

4- الوقاية من المعاصي والذنوب: 
لو أمعن الناس النظر في عظمة الله عز وجل لما عصوه. وقد رُوي عن سفيان بن عيينة، أنه قال: التفكر مفتاح الرحمة، ألا ترى أن العبد العاصي يتفكر فيتوب؟! (16)

5- إتقان الأعمال وإحسانها: 
العبرة في الأعمال بإتقانها وإحسانِها لا بكثرتها وعددها؛ فركعتانِ بيسير من التفكر والتدبر خيرٌ من عبادة ليلة كاملة بقلب ساهٍ غافل، وبه تتفاضل درجات العباد عند الله.

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ركعتان مقتصدتان فِي تَفَكُّرٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ وَالْقَلْبُ سَاهٍ"(17)

وقال ابن القيم: قراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن(18)

فالتفكر عبادة عظيمة تجمع خيرًا كثيرًا؛ فهو يزيد الإيمان، ويحيي القلوب، وينير البصائر، ويفتح أبواب العلم والحكمة، ويعين على الطاعة وترك المعصية وإحسان العمل. فحريٌّ بالمسلم أن يجعل لنفسه نصيبًا من التفكر في آيات الله ونعمه ومخلوقاته، حتى يكون ذلك سبيلًا إلى مزيد من الإيمان والاستقامة.

ما أكثر آية قرآنية تدعوك إلى التأمل والتفكر؟ 
أخبرنا في التعليقات💬


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه ابن حبان (7297)، وجوَّد الألباني إسناده في السلسلة الصحيحة (68)
(2) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 173)
(3) تفسير ابن كثير (2/ 492)
(4) التفسير الميسر (1/ 75)
(5) تفسير السعدي (ص161)
(6) رواه البخاري (4570)، ومسلم (763)
(7) أخرجه مسلم (256)
(8) شرح النووي على مسلم (3/ 146)
(9) تفسير القرطبي (4/ 315)
(10) تفسير السعدي (ص: 541)
(11) مجموع الفتاوى (15/ 343)
(12) أحكام القرآن (2/ 351)
(13) مفتاح دار السعادة (1/ 183)
(14) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 134)
(15) مفتاح دار السعادة (1/ 183)
(16) حلية الأولياء (7/ 306)
(17) الزهد والرقائق لابن المبارك (ص97)
(18) مفتاح دار السعادة (1/ 187)

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة