قد يحفظ الإنسان لسانه عن الإساءة، لكنه يُشعر من أمامه بأنه أقل منه شأنًا بنظرة متعالية، أو وجه معرض، ومن هنا جاءت وصية لقمان لابنه، لتضع أمامه أدبًا لا يستقيم التعامل مع الناس بدونه: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ﴾.
تأمل:
قد لا تجرح أحدًا بكلمة، لكنك قد تجرحه بطريقة نظرك إليه أو إعراضك عنه.
صورتان من صور الكبر:
وتجمع الآية بين صورتين من صور الكبر: كبر يظهر في معاملة الآخرين، وكبر يتجلى في هيئة الإنسان وسلوكه بينهم، وهي لفتة مهمة في سياق حياتنا اليومية، فالمطلوب أن يتجنب المرء التفاخر، وأن يتخلص كذلك من الشعور الذي يجعله ينظر إلى غيره باستعلاء، سواء أظهر ذلك في تعامله أم عبّر عنه بمظهره وتصرفاته.
فكّر معنا:
هل يقتصر التواضع على ما نقوله للناس، أم يشمل أيضًا الطريقة التي ننظر بها إليهم ونتصرف أمامهم؟
التجاهل لغة للتكبر:
يوصي لقمان ابنه ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، وأصل التصعير داء يصيب الإبل، فيميل أعناقها، فاستُخدم التعبير فيمن يميل وجهه عن الناس تكبرًا وإعراضًا عنهم، وفي هذا التصوير القرآني تنفير من هيئة تحمل في ظاهرها معنى الاستعلاء، وتكشف في باطنها عن احتقار الآخرين.
وفي ذلك إشارة إلى أن احتقار الآخرين قد يكون بنظرة عابرة، أو طريقة استقبال باردة، أو تجاهل متعمد ليشعر الإنسان بأنه غير جدير بالاهتمام.
تأمل دقة التعبير القرآني:
لم ينهَ عن الإساءة باللسان وحدها، بل عن هيئة الوجه التي قد تحمل رسالة احتقار دون كلمة واحدة.
صور من واقعنا:
ويحدث ذلك في حياتنا حين ينشغل أحدنا بهاتفه بينما يحدثه شخص أمامه، أو يتعامل بفتور مع عامل بسيط، ثم تتغير نبرته وملامحه حين يتحدث إلى صاحب منصب أو شخص ذي نفوذ.
وقد يظهر هذا المعنى في المجالس أيضًا؛ حين يُمنح بعض الحاضرين وقتًا طويلًا للحديث لأن لهم مكانة اجتماعية أو قدرة مالية، بينما يُهمَّش آخرون، أو تُقابل آراؤهم بالسخرية لمجرد أنهم أقل شهرة أو نفوذًا.
راجع نفسك:
هل تمنح كل من تتعامل معه الاهتمام نفسه، أم تتغير طريقتك بحسب مكانته أو ما يمكن أن يقدمه لك؟
حقيقة إنسانية راقية:
إن وصية لقمان تؤكد حقيقة انسانية راقية وهي ضرورة أن تمنح الإنسان حقه في الاهتمام والتقدير، وألا تجعل ماله أو منصبه أو شهرته معيارًا لمعاملتك له، وهي تدعو من طرف خفي إلى الإقبال على الناس بوجه طلق، والإصغاء إليهم، واحترامهم دون تمييز.
وقد وجَّه النبي ﷺ إلى هذا المعنى حين قال: (اتَّقِ اللهَ، ولا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئًا، ولو أن تفرغَ من دَلوِك في إناءِ الْمُسْتَسْقِي، وأن تلقَى أخاك ووجهُك إليه مُنْبَسِطٌ) [صحيح الجامع].
فالوجه المنبسط ليس تفصيلًا هامشيًّا في العلاقة بالآخرين؛ فقد تكون الابتسامة الصادقة سببًا في إزالة الوحشة، وقد يحفظ الاستقبال الكريم إنسانًا من الشعور بأنه غير مرغوب فيه.
وقد يكون أكثر الناس تواضعًا من يصغي إلى شاب صغير يعرض فكرة، ويحترم رأي عامل يتحدث عن مشكلة، ويمنح من يختلف معه فرصة لإكمال حديثه.
فكّر معنا:
ربما لا يحتاج بعض الناس منك إلى مساعدة كبيرة، بل إلى وجه بشوش يشعرهم بأن وجودهم محل تقدير.
إعلان عن الكبر:
وبعد أن نهى لقمان ابنه عن احتقار الناس في معاملتهم، وجَّهه إلى ما ينبغي أن يكون عليه سلوكه في حضرة هؤلاء الناس، ﴿وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ﴾، وإنما يمشي كما يمشي عباد الرحمن ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
والمرح هنا هو الخيلاء والتبختر؛ أي أن يمشي الإنسان مشية من يرى نفسه فوق الآخرين، متعاظمًا بما لديه، غافلًا عن حقيقة قدره.
وموضع النهي هنا منصب على الهيئة التي تتحول بها الحركة أو المشي إلى إعلان عن الكبر، وكأن صاحبها يريد أن يلفت الأنظار إلى تفوقه ويؤكد للآخرين أنه أعلى منهم منزلة.
ويشير قوله تعالى ﴿فِی ٱلۡأَرۡضِ﴾ إلى معنى يستحق التأمل هنا؛ فالإنسان يمشي على أرض يشاركه فيها الآخرون، ولا ينفرد بها مهما علا شأنه أو اتسعت إمكاناته، وقد جاء هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولًا﴾.
يقول الشاعر:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً ... فكم تحتها قوم هم منك أرفع
وإن كنت في عز وحرز ومنعة ... فكم مات من قوم هم منك أمنع
تأمل:
ليس التواضع أن تخفض رأسك فحسب، بل أن تخلو نفسك من الشعور بأنك أعلى من الآخرين.
وجوه معاصرة للكبر:
ولا تنحصر هذه الصورة في طريقة المشي؛ فالمعنى يمتد إلى سائر التصرفات التي يتعمد بها الإنسان إظهار مكانته واستعراض ما يملك.
فقد تتحول السيارة إلى وسيلة للتعالي على من لا يملكون مثلها، والملابس إلى أداة لإشعار الآخرين بأنهم أقل شأنًا، والحديث إلى مناسبة للتفاخر بالمال أو المنصب أو العلاقات.
وفي زمن أصبحت فيه تفاصيل الحياة قابلة للعرض أمام جمهور واسع، قد تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة لاستعراض القدرة المالية؛ فتُعرض المقتنيات والعلامات التجارية والأماكن الفاخرة لإثبات التفوق وإشعار الآخرين بالفارق بينهم وبين صاحب الصورة.
وقد يتخذ أحدنا من إنجازاته المهنية وسيلة للتقليل من زملائه، أو يذكّر الآخرين بما أنفقه عليهم ليشعرهم بأنهم أقل منه وأنهم مدينون له.
اسأل نفسك:
هل تشارك إنجازاتك ومقتنياتك لتوثيق لحظات سعيدة، أم لتثبت للآخرين أنك أفضل منهم؟
حقيقة الكبر:
وقد بيَّن النبي ﷺ حقيقة الكبر، حتى لا تختلط الأمور في أذهان بعض الناس، حين قال: (لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال ﷺ: إنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمطُ النَّاسِ) [صحيح مسلم].
فالحديث يضع حدًّا واضحًا بين الجمال والتكبر؛ إذ لا يُلام الإنسان على حسن مظهره، وإنما يُلام حين يرفض الحق استعلاءً، أو يحتقر الناس وينتقص من قدرهم.
فرّق بين الأمرين:
أن تحب الجمال في مظهرك أمر، وأن ترى نفسك أجمل وأفضل من الناس أمر آخر.
ما الذي يجمع بين الوصيتين؟
واحتقار الناس والتبختر أمامهم يلتقيان في أصل واحد: أن يرى الإنسان لنفسه منزلة تجعله يتعامل مع الآخرين من موقع أعلى.
ففي الوصية الأولى يظهر هذا الشعور في طريقة استقبال الناس والإصغاء إليهم، وفي الثانية يتجلى في هيئة الإنسان وتصرفاته حين يكون بينهم.
ولذلك يمكن أن يجتمع السلوكان في شخص واحد؛ فيتجاهل من يراه أقل منه مكانة، ثم يتعمد إظهار ما يملكه أمامه ليؤكد هذا الفارق.
وقد يظهر أحد السلوكين دون الآخر؛ فقد يحسن الإنسان الكلام مع الآخرين، لكنه يبالغ في استعراض ثرائه أو نجاحه حتى يجعلهم يشعرون بأنهم أقل منه.
تأمل الرابط بين الوصيتين:
قد يستقر الكبر في القلب، ثم يظهر مرة في نظرة، ومرة في كلمة، ومرة في مشية أو تصرف.
الخاتمة:
إن وصيتي لقمان تضعان الإنسان أمام حقيقة أن ما يملكه لا يجعله أعلى من غيره، فالتواضع أن يبقى المرء قريبًا من الناس، لا يصرف وجهه عنهم استعلاءً، ولا يجعل من مظهره أو إمكاناته وسيلة للتفاخر عليهم.
تحدي التدبر:
هل تتذكر آيات قرآنية أخرى تحذر من الكبر والتعالي على الناس؟ شاركنا بها في التعليقات
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy