اللوح المحفوظ: ماذا كتب فيه ومتى كتب؟

اللوح المحفوظ: ماذا كتب فيه ومتى كتب؟
2026/10/18

أين كانت مقادير حياتك قبل أن تولد؟ وقبل أن ترى النور، وتبدأ رحلتك في هذه الدنيا، هل كُتب ما سيجري عليك؟ وأين كُتبت مقادير الخلائق قبل أن تُخلق السماوات والأرض؟

 أسئلة تقودنا إلى التأمل في عالم الغيب الذي أخبرنا الله عنه، وفي حقيقة كتابة المقادير، وفي اللوح المحفوظ الذي ذكره القرآن الكريم في آيات قليلة، لكنها تفتح أبوابًا واسعة للتأمل في عظمة القرآن ومكانته.

قبل أن تُخلق السماوات والأرض.. كانت المقادير قد كُتبت

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال:

«إنَّ اللَّهَ قدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السَّمواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكانَ عرشُهُ على الماءِ».

رواه مسلم (2653)، والترمذي (2156) 

تأمل هذا الحديث؛ فقد أخبرنا النبي ﷺ أن تقدير مقادير الخلائق سبق خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

وهذا من الغيب الذي لا نعرفه إلا من خلال الوحي، فلا سبيل لنا إلى معرفة تفاصيله إلا بما ثبت عن الله ورسوله ﷺ.

إنه معنى يلفت أنظارنا إلى عظمة الله سبحانه وتعالى، وسبق تقديره، وإحاطة علمه بخلقه.
لكن الحديث يثير سؤالًا آخر: أين كُتبت هذه المقادير؟ وما علاقة ذلك باللوح المحفوظ الذي ورد ذكره في القرآن الكريم؟

﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.. ماذا يخبرنا القرآن؟

يقول الله تعالى في ختام سورة البروج:

﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ۝ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21-22].

تأتي الآيتان بعد حديث الله سبحانه عن المكذبين، وإحاطته بهم، ثم تقرران حقيقة القرآن ومكانته؛ فهو قرآن مجيد، في لوح محفوظ.

ويفسر الإمام الطبري قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ بأنه قرآن كريم، وينقل هذا المعنى عن قتادة.

ثم يبين أن القرآن مثبت في لوح محفوظ، وينقل عن مجاهد تفسير اللوح بأنه «أم الكتاب».

أما الإمام القرطبي، فيوضح أن القرآن مكتوب في لوح، وأن اللوح محفوظ عند الله تعالى من وصول الشياطين إليه، وينقل قولًا بأن اللوح هو أم الكتاب، ومنه نُسخ القرآن والكتب.

ويذكر الإمام البغوي معاني قريبة من ذلك، فينقل أن اللوح هو أم الكتاب، وأنه محفوظ من الشياطين ومن الزيادة والنقصان.

أما ابن كثير، فيفسر الآية بأن القرآن المجيد محفوظ في الملأ الأعلى من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل.

وهكذا نجد أن المفسرين تناولوا معنى اللوح المحفوظ، وبيّنوا ما يتعلق بحفظه، ونقل عدد منهم القول بأنه أم الكتاب.

لكن من المهم أن ننتبه إلى أن الآيتين تتحدثان مباشرة عن القرآن الكريم ومكانته، أما تفاصيل كتابة مقادير الخلائق، فيدل عليها الحديث الصحيح، وتأتي أقوال المفسرين لتوضح ما نقلوه في تفسير اللوح المحفوظ وعلاقته بأم الكتاب.

لماذا وصف الله اللوح بأنه محفوظ؟

تأمل وصف الله للوح بأنه «محفوظ». فهذا الوصف ليس تفصيلًا زائدًا في الآية، بل هو جزء من المعنى الذي تناوله المفسرون بالشرح.

وقد ذكر الطبري اختلاف القراء في كلمة ﴿مَحْفُوظٍ﴾؛ فمنهم من قرأها بالجر، فتكون صفة للوح، ومنهم من قرأها بالرفع، فتكون صفة للقرآن.

وعلى قراءة الجر، يكون المعنى أن اللوح محفوظ من الزيادة والنقصان عما أثبته الله فيه.
أما على قراءة الرفع، فيكون القرآن محفوظًا من التغيير والتبديل في لوح.

ويذكر القرطبي والبغوي أن من معاني الحفظ صيانة اللوح من وصول الشياطين إليه، ومن الزيادة والنقصان، بينما يوضح ابن كثير أن القرآن محفوظ من التحريف والتبديل.

ومن هنا تظهر دلالة مهمة: أن الحفظ من المعاني المركزية في تفسير الآية، وأن المفسرين تناولوه من خلال قراءات الآية وأقوالهم في معناها.

أما ما وراء ذلك من تفاصيل هيئة اللوح ومادته ومكانه، فقد نقل بعض المفسرين فيه روايات وآثارًا متعددة.
ولا يصح أن نجزم بصحة جميع هذه التفاصيل لمجرد ورودها في كتب التفسير؛ فالروايات المنقولة تحتاج إلى التمييز بين صحيحها وضعيفها.

اللوح المحفوظ وأم الكتاب.. ماذا قال المفسرون؟

من المسائل التي تناولتها كتب التفسير العلاقة بين اللوح المحفوظ وأم الكتاب.

ينقل الطبري عن مجاهد قوله في تفسير ﴿فِي لَوْحٍ﴾: «في أم الكتاب». كما يذكر القرطبي والبغوي أن من الأقوال في اللوح المحفوظ أنه أم الكتاب، وأن الكتب نُسخت منه.

وتساعدنا هذه النقول على فهم جانب من تفسير العلماء للوح المحفوظ، لكنها لا تعني أن جميع التفاصيل التي وردت في الروايات المنقولة عن السلف ثابتة.

ولهذا ينبغي أن نميز بين الحديث الصحيح الذي يخبرنا بكتابة مقادير الخلائق، وبين أقوال المفسرين في معنى اللوح المحفوظ، وبين الآثار التي أوردوها في وصفه وتحتاج إلى تحقيق أسانيدها.

فالإيمان بالغيب لا يعني أن نضيف إلى النصوص ما لم تثبته، بل أن نؤمن بما أخبرنا الله به، ونفهم كلامه وفق دلالته، ونتوقف عما لم يقم عليه دليل ثابت.

مكتوب قبل أن تُخلق.. حقيقة تدعوك إلى التأمل

حين نجمع بين حديث كتابة المقادير وآيتي سورة البروج، نجد أمامنا حقيقتين عظيمتين.

الأولى: أن الله تعالى قدّر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح.

والثانية: أن القرآن الكريم وصف نفسه بأنه قرآن مجيد في لوح محفوظ، وقد تناول المفسرون معنى هذا الحفظ، ونقلوا أقوالًا في علاقة اللوح بأم الكتاب.

وهنا ينبغي أن نقف عند حدود ما أخبرنا به الوحي، فلا نجزم بتفاصيل غيبية لم تثبت، ولا نخلط بين ما تدل عليه الآيات وما ورد في بعض الروايات المنقولة في تفسيرها.

إن التأمل في هذه المعاني يفتح أمامنا بابًا لفهم عظمة ما أخبرنا الله به، ويذكرنا بأن المعرفة الحقيقية بالغيب تبدأ من الوحي، وأن دقة الفهم تقتضي ألا ننسب إلى القرآن أو السنة ما لا يدل عليه النص.

مكتوبٌ قبل أن تُخلق!

تأمّل هذا المعنى قليلًا؛ قبل أن تعرف الدنيا، وقبل أن تبدأ رحلتك فيها، كان تقدير مقادير الخلائق قد سبق خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما أخبر النبي ﷺ.

إنها حقيقة تذكّرك بأن علم الله وتقديره ليسا أمرين طارئين على أحداث الحياة، بل إن الله سبحانه قد قدّر مقادير خلقه قبل وجود السماوات والأرض. وحين تقرأ قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ۝ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾، تستحضر عظمة هذا القرآن الذي كشف لنا جانبًا من عالم الغيب، وأرشدنا إلى ما ينبغي أن نؤمن به، دون أن نتجاوز حدود ما أخبرنا به الوحي.

ما أعظم أن تعرف أن وراء هذا الكون علمًا لا يحيط به شيء، وتقديرًا لا يخرج عنه شيء! وما أعظم أن تدرك أن ما خفي عنك من الغيب لا ينقص من يقينك بما أخبرك الله به، وأن ما لا تعلم تفاصيله لا يمنعك من التأمل في عظمة الخالق سبحانه.

فكلما مررت بقوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾، تذكّر أن وراء هذه الكلمات حقيقة غيبية عظيمة أخبرنا الله بها، وأن المؤمن يقف أمامها بإيمانٍ وتسليم، يتأمل ما علمه الله، ويؤمن بما أخبره به، ويقف عند ما لم يأذن له بمعرفته.

فاللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك، اللهم آمين
 

بحث
الأكثر تداولاً
صورة المستخدم
جاري التحميل

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة