سؤال: في مَن نزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّیۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ بِوَ ٰلِدَیۡهِ حُسۡنࣰاۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِی مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمࣱ فَلَا تُطِعۡهُمَاۤۚ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [العنكبوت ٨]
والجواب: نزلت هذه الآية الكريمة في سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه، وفي أمِّه حَمْنةَ بنتِ أبي سُفيانَ، وذلك باتفاق المفسرين(1).
فعن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه، قال:
"حلَفَتْ أمُّ سَعدٍ ألَّا تُكَلِّمَه أبدًا حتَّى يَكفُرَ بدينِه، ولا تأكُلَ ولا تَشرَبَ. قالتْ: زعَمْتَ أنَّ اللهَ وصَّاك بوالِدَيك، وأنا أمُّك، وأنا آمُرُك بهذا! قال: مَكثَتْ ثلاثًا حتَّى غُشِيَ عليها مِنَ الجَهدِ، فقام ابنٌ لها يُقالُ له: عُمارةُ، فسَقاها، فجعَلَت تدعو على سَعدٍ، فأنزل اللهُ عزَّ وجَلَّ في القُرآنِ هذه الآيةَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾(2).
وَرُوِيَ عَنْ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ بَارًّا بِأُمِّي فَأَسْلَمْتُ، فَقَالَتْ: لَتَدَعَنَّ دِينَكَ أَوْ لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى أَمُوتَ فَتُعَيَّرُ بِي، وَيُقَالُ يَا قَاتِلَ أُمِّهِ، وَبَقِيَتْ يَوْمًا وَيَوْمًا فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهُ! لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ، فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا مَا تَرَكْتُ دِينِي هَذَا فَإِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَأْكُلِي، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ وَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ الْآيَةَ(3).
ومعنى الآية: ووصينا الإنسان بوالديه أن يَبَرَّهما، ويحسن إليهما بالقول والعمل، وإن جاهداك -أيها الإنسان- على أن تشرك معي في عبادتي، فلا تمتثل أمرهما. ويلحق بطلب الإشراك بالله، سائر المعاصي، فلا طاعة لمخلوق -كائنًا مَن كان- في معصية الله سبحانه، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ. إليَّ مصيركم يوم القيامة، فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال وسيئها، وأجازيكم عليها.(4)
وربط ابنُ عاشور في تفسيره بين هذه الآية والتي تليها ربطا لطيفا، وهي قوله جل ثناؤه: ﴿وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِی ٱلصَّـٰلِحِینَ﴾ [العنكبوت ٩]
قال رحمه الله: "ومن لطيف مناسبة هذا الظرف في هذا المقام أن المؤمن لمَّا أُمر بعصيان والديه إذا أمراه بالشرك كان ذلك مما يثير بينه وبين أبويه جفاءً وتفرقة، فجعل الله جزاءً عن وحشة تلك التفرقة أُنسًا بجعله في عداد الصالحين؛ يأنس بهم"(5).
وقد قرن الله تبارك وتعالى الإحسانَ إلى الوالدين بتوحيده وعبادته في آيات كثيرة؛ وذلك ما يشير إلى عظم منزلة بر الوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَ ٰلِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنًاۚ إِمَّا یَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَاۤ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَاۤ أُفࣲّ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلࣰا كَرِیمࣰا﴾ [الإسراء ٢٣]. وقال تعالى: ﴿قُلۡ تَعَالَوۡا۟ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَیۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡـࣰٔاۖ وَبِٱلۡوَ ٰلِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنࣰاۖ …﴾ [الأنعام ١٥١]
قال العُلَماءُ: فأحقُّ النَّاسِ بعدَ الخالِقِ المنَّانِ بالشُّكرِ والإحسانِ، والتِزامِ البِرِّ والطَّاعةِ له والإذعانِ: مَن قَرَن اللهُ الإحسانَ إليه بعبادتِه وطاعتِه، وشُكرَه بشُكرِه، وهما الوالِدَان؛ فقال تعالى: ﴿أَنِ ٱشۡكُرۡ لِی وَلِوَ ٰلِدَیۡكَ﴾ [لقمان ١٤](6).
🌿 برُّ الوالدين عبادة عظيمة، حتى حين نختلف معهما .. ما أجمل صورة من صور البر تحرص عليها في حياتك؟
أخبرنا في التعليقات، وشارك المقال لتعم الفائدة.
______________________
(1) تفسير النيسابوري (5/425).
(2) رواه مسلم (1748).
(3) تفسير القرطبي (13/ 328).
(4) التفسير الميسر (1/ 397).
(5) التحرير والتنوير(20 /215).
(6) تفسير القرطبي (5 /183).
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy