الله لا يريد عذابك

الله لا يريد عذابك
2026/10/28

 

هل تأملت يومًا لماذا يضاعف الله أجرك على الحسنة، ويكتب لك ثوابًا على نية الخير وإن لم تعمل بها، ويفتح لك أبواب التوبة مهما أثقلت الذنوب كاهلك؟ ولماذا يمنحك فرصًا متجددة للرجوع إليه، مع أنه سبحانه غني عن طاعتك، لا تنفعه حسنتك ولا تضره سيئتك؟

إنها رحمة الله التي وسعت كل شيء، والتي تتجلى مشاهد عظيمة منها يوم القيامة، حين يقف الخلق بين يدي ربهم.

يقول الله تعالى:

﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147].

إنه استفهام يوقظ العقل والقلب معًا: أي منفعة تعود على الله من تعذيب عباده إذا آمنوا وشكروه؟!

يقول الطبري في تفسير الآية إن الله لا يحتاج إلى تعذيب عباده، وإنهم إذا أنابوا إليه وأطاعوه وشكروه، جازاهم على طاعتهم بما تقصر عنه أمانيهم.
ويبين القرطبي أن الله لا يزيده تعذيب عباده في ملكه، ولا ينقص من سلطانه ترك عقوبتهم، وأنه يشكر لهم طاعتهم بمعنى أنه يثيبهم عليها.

فالله سبحانه غني عن العالمين، لا ينتفع بطاعة الطائعين، ولا يتضرر بمعصية العاصين، وإنما يعود نفع الإيمان والعمل الصالح على العباد أنفسهم.
والآية تفتح أمام المؤمن باب الرجاء، وتدعوه إلى الشكر والإيمان والطاعة، وتحذره في الوقت نفسه من الإعراض عن أمر الله.

إن ربك يدعوك إلى ما فيه نجاتك، فلا تجعل ذنوبك سببًا لليأس من رحمته، ولا تجعل رجاءك في رحمته ذريعة إلى التهاون بأمره.

1. رحمة غلبت الغضب

من أعظم ما يملأ قلب المؤمن رجاءً قول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «إن رحمتي غلبت غضبي» (متفق عليه).

عبارة عظيمة تكشف عن سعة رحمة الله، وتفتح أمام العبد باب الأمل مهما اشتد خوفه من الحساب.
فرحمة الله ليست أملًا موهومًا يعلقه الإنسان على أمنياته، لكنها حقيقة دل عليها الوحي، وظهرت آثارها في دعوة الله عباده إلى الإيمان والتوبة والعمل الصالح.

تأمل كيف لم يغلق الله باب الرجوع في وجه من أسرف على نفسه، بل ناداه بنداء يملؤه الرجاء، فقال سبحانه:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

لم يمنعهم إسرافهم من أن يشملهم النداء بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، ولم يجعل ماضيهم حاجزًا بينهم وبين التوبة.

فالعبد مهما أخطأ، إذا صدق في رجوعه إلى الله، وجد باب التوبة مفتوحًا.

وهذا لا يعني أن الذنوب هينة، أو أن العبد يضمن المغفرة مع الإصرار على المعصية؛ بل يعني أن اليأس ليس طريق النجاة، وأن الرجوع إلى الله خير من الاستسلام للذنب.

2. حين تُوزن الأعمال بميزان الفضل

تأمل معادلة الحساب التي أخبرنا بها النبي ﷺ، وكيف يظهر فيها فضل الله على عباده.

قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإذا هم بسيئة فلم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة» (متفق عليه، واللفظ لمسلم).

تأمل هذه الصور من الفضل الإلهي:

  • نية الخير: قد ينال العبد حسنة كاملة على نيته الصالحة، وإن لم يتمكن من العمل بها.

  • العمل الصالح: تبدأ مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها، وقد تبلغ سبعمائة ضعف أو أضعافًا كثيرة.

  • ترك المعصية: من هم بسيئة ثم تركها لله، كُتبت له حسنة كاملة.

  • السيئة الواحدة: لا تُضاعف في أصل الجزاء، بل يكتبها الله سيئة واحدة، مع بقاء باب التوبة والمغفرة مفتوحًا.

أي فضل أعظم من هذا؟ إن الله يفتح لعباده أبواب الأجر، ويثيبهم على نيات الخير، ويجعل ترك المعصية طاعة يؤجرون عليها، ولا يضاعف السيئة في أصل الجزاء كما يضاعف الحسنة.

ومع ذلك، فليس معنى هذا أن النجاة مضمونة لكل أحد مهما فعل؛ بل العبد مأمور بالعمل والتوبة، ويظل محتاجًا إلى رحمة الله وعفوه.

3. يسترك في الدنيا ويغفر لك اليوم

من أعظم مشاهد الرحمة يوم القيامة ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ، في شأن مناجاة الله لعبده المؤمن.

قال رسول الله ﷺ: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (متفق عليه).

تأمل هذا المشهد!

عبد يقف بين يدي ربه، ويذكربذنوبه التي يعلمها من نفسه، حتى يظن أنه قد هلك، فإذا به يسمع بشارة المغفرة بعد الستر.

موقف يوقظ في القلب معاني الخوف والرجاء معًا؛ فالذنوب ليست أمرًا هينًا، لكن رحمة الله أوسع من أن يحصرها العبد في تصوراته المحدودة.

ولا يعني الحديث أن كل إنسان سيُغفر له مهما كان حاله، وإنما هو بشارة للمؤمن الذي يشاء الله أن يستره ويغفر له.
وفيه دعوة إلى التوبة، والستر على النفس، والبعد عن المجاهرة بالمعصية.

فإذا كنت قد أخطأت في خلواتك، فلا تجعل خطأك سببًا في الإقامة على الذنب، بل بادر بالتوبة، واسأل الله الستر والمغفرة، وارجُ أن تكون ممن يشملهم عفوه يوم القيامة.

4. من ظلمة السيئات إلى نور الحسنات

ومن أعجب صور الفضل الإلهي أن الله لا يقتصر على وعد التائبين بمغفرة الذنوب، بل قد يبلغ فضله أن يبدل سيئاتهم حسنات.

قال الله تعالى:

﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 70].

تأمل شروط هذه البشارة: التوبة، والإيمان، والعمل الصالح. وهى ليست دعوة إلى الاستهانة بالمعصية، بل دعوة إلى ألا يستسلم العبد لماضيه، وأن يجعل ندمه بداية لطريق جديد.

قد تكون للإنسان صفحات مظلمة في حياته، لكن الله فتح له بابًا ليغير مساره، فيتوب من ذنبه، ويجدد إيمانه، ويعمل صالحًا.
وهكذا تتحول لحظة الانكسار بين يدي الله إلى بداية للإصلاح، بدلًا من أن تكون سببًا في الاستسلام واليأس.

فلا تقل: لقد فات الأوان، ولا تجعل كثرة أخطائك تمنعك من الرجوع؛ فالبشارة في الآية موجهة إلى من تاب وآمن وعمل صالحًا.

5. حتى الشفاعة تكون بإذن الرحمن

ومن مشاهد الرحمة في الآخرة ما أخبر به النبي ﷺ من الشفاعة وإخراج الله من النار من شاء من أهل التوحيد.

ففي الحديث  أن الملائكة والنبيين والمؤمنين يشفعون بإذن الله، ثم يقول الله تعالى: «شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين»، فيخرج الله من النار من شاء أن يخرجه برحمته.

وهذا المشهد يكشف عن عظمة رحمة الله و أن الشفاعة ليست حقًّا لأحد يستقل به، وإنما تكون بإذن الله ومشيئته، وأن النجاة لا تكون إلا بفضله.

فلا يغتر العبد بعمله، ولا يتكل على الشفاعة مع الإصرار على المعصية، بل يجتهد في طاعة الله، ويسأله الثبات وحسن الخاتمة، ويرجو رحمته التي لا يستغني عنها أحد.

6. كيف تستجيب لهذه الرحمة؟

إن معرفة سعة رحمة الله يجب أن تتحول إلى سلوك يغير علاقة العبد بربه وبالناس.

أولًا: حقق الشكر والإيمان.
وهما أصل المعنى الذي دلت عليه الآية؛ فاشكر الله بقلبك ولسانك وجوارحك، واجعل إيمانك دافعًا إلى الطاعة والاستقامة.

ثانيًا: أحسن الظن بالله.
لا تجعل ذنوبك سببًا لليأس، لكن اجعلها دافعًا إلى التوبة. وحسن الظن الصادق ليس أمنية بلا عمل، وإنما رجاء يحمل صاحبه على الرجوع إلى الله.

ثالثًا: ارحم عباد الله.
قال النبي ﷺ: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» (متفق عليه). فمن عرف سعة رحمة الله، فليظهر أثر ذلك في معاملته للناس، وليكن رحيمًا بالضعيف، معينًا للمحتاج، عافيًا عمن استطاع العفو عنه.

رابعًا: لا تغتر برحمة الله ولا تيأس منها. سر إلى الله بقلب يجمع بين الخوف والرجاء؛ يخاف التقصير، ويرجو المغفرة، ويعمل صالحًا، ويعلم أن دخول الجنة برحمة الله وفضله.

الله لا يريد عذابك!

إن الله سبحانه غني عن تعذيب عباده، وقد فتح لهم أبواب الإيمان والتوبة، وضاعف لهم الحسنات، ووعد التائبين بالمغفرة، وأخبر عن مشاهد من عفوه ورحمته يوم القيامة.

فإذا أثقلت الذنوب قلبك، فلا تجعلها حجابًا بينك وبين التوبة. وإذا قصرت في الطاعة، فابدأ من جديد.
وإذا أحسنت، فلا تغتر بعملك، بل اسأل الله القبول.

وتذكر قول الله تعالى:

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 156].

فرحمة الله واسعة، لكن الفوز بها ليس بالأماني، وإنما بالإيمان والتقوى والرجوع إليه.
فلا تجعل خوفك من الحساب يقودك إلى اليأس، ولا تجعل رجاءك في الرحمة يقودك إلى الغفلة.

أقبل على الله بقلب صادق، واشكره على نعمه، وتب من تقصيرك، وأكثر من العمل الصالح؛ فلعل حسنة صادقة تكون سببًا في رفعة درجتك، ولعل توبة نصوحًا تمحو أثر ماضٍ أثقل قلبك.

واسأل الله دائمًا أن يسترك في الدنيا والآخرة، وأن يغفر ذنبك، ويقبل توبتك، ويجعلك من أهل رحمته ورضوانه.

يمكنك الإطلاع على فائدة سعة رحمة الله في الدنيا عبر هذا الرابط

صورة المستخدم
جاري التحميل

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة