الم يأن للذين امنوا؟ قصص آيات غيرت حياة أصحابها

الم يأن للذين امنوا؟ قصص آيات غيرت حياة أصحابها
2026/11/03

 

كم مرة قرأت آية من القرآن الكريم، ثم أغلقت المصحف ومضيت في حياتك كما كنت؟ وكم مرة سمعت آية تعرفها وتحفظها، لكنها لم تدفعك إلى تغيير عادة، أو ترك ذنب، أو اتخاذ قرار طالما أجلته؟

قد يقرأ الإنسان آية عشرات المرات، ثم تأتي لحظة يسمعها فيها بقلب مختلف، فيشعر كأنها تخاطبه وحده، وتضعه أمام حقيقة كان يحاول الهروب منها.

فالقرآن الكريم هو هداية للقلوب، ونور للبصائر، وشفاء لما في الصدور، كما قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].

وفي تاريخ الإسلام مواقف عديدة لأناس كانت آية واحدة سببًا في مراجعة حياتهم، أو اتخاذ قرار مصيري، أو التخلي عن شيء عزيز عليهم، أو الرجوع إلى الله بعد طول غفلة.

فمنهم من ترك المعصية، ومنهم من بذل أحب أمواله، ومنهم من خاف أن يحبط عمله، ومنهم من وجد في آيات القرآن بابًا مفتوحًا للعودة بعد الذنب.

فكيف استطاعت آيات قليلة أن تترك كل هذا الأثر في حياة أصحابها؟ تعال لنعش مع قصصهم سويًا في هذة السطور 

1. الفضيل بن عياض.. آية أوقفت رجلًا في منتصف طريق المعصية

تخيل رجلًا اعتاد قطع الطريق وإخافة المسافرين، ثم يسمع آية من القرآن، فتكون بداية تحوله إلى واحد من أشهر العباد والزهاد في تاريخ الإسلام!

فقد كان الفضيل في بداية حياته يقطع الطريق، وتذكر الروايات أنه سمع ذات ليلة قارئًا يتلو قول الله تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16].

كانت الآية سؤالًا مباشرًا: ألم يحن الوقت بعدُ لأن تخشع القلوب وتعود إلى ربها؟

فأجاب الفضيل قائلًا: «بلى والله، قد آن».

وتذكر الرواية أنه رجع عن طريقه، حتى آواه الليل إلى خرابة، فسمع جماعة من المسافرين يتحدثون عن خوفهم من المرور في الطريق الذي يقطعه الفضيل.

كان بعضهم يريد مواصلة السير، بينما خشي آخرون أن يعترضهم فيأخذ أموالهم.

وهنا أدرك الفضيل أثر أفعاله في الناس، وأن معاصيه لم تكن ذنوبًا تخصه وحده، بل كانت سببًا في إخافة المسلمين وإيذائهم.

فتاب إلى الله، وترك قطع الطريق، وصار بعد ذلك من كبار أهل العبادة والزهد.

عندما يصبح سؤال القرآن سؤالًا شخصيًا

تأمل أن الآية لم تذكر الفضيل باسمه، ولم تتحدث عن قطع الطريق تحديدًا، لكنها خاطبت قلبه، فوجد فيها سؤالًا لا يستطيع الهروب من إجابته.

فكم من إنسان يعرف أن عليه ترك معصية، لكنه يؤجل التوبة إلى الغد؟ وكم من شخص يدرك أنه يسير في طريق خاطئ، لكنه ينتظر حدثًا استثنائيًا حتى يعود؟

جاءت الآية لتختصر كل تلك الأعذار في سؤال واحد: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾؟

ولعل أعظم ما نتعلمه من هذه القصة أن التوبة لا تحتاج إلى انتظار لحظة مثالية، وإنما تحتاج إلى قلب يصدق في الرجوع إلى الله.

2. أبو طلحة الأنصاري.. حين تحولت آية إلى بستان في سبيل الله

هل تستطيع أن تتخلى عن أغلى ما تملك بمجرد أن تقرأ آية من القرآن؟

هذا ما فعله الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه.

كان أبو طلحة من أكثر الأنصار مالًا بالمدينة، وكان يمتلك بستانًا عظيمًا يسمى «بيرحاء»، يقع قريبًا من المسجد النبوي، وكان أحب أمواله إليه.

 كان البستان شيئًا عزيزًا على نفسه، حتى إن رسول الله ﷺ كان يدخله ويشرب من مائه الطيب.

ثم نزل قول الله تعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92].

قرأ أبو طلحة الآية، وفهم أن بلوغ مراتب البر العالية يقتضي أن يكون الإنسان مستعدًا للبذل مما يحب.

فذهب إلى رسول الله ﷺ وقال:

«يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله».

فقال النبي ﷺ:

«بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح».

ثم أشار عليه أن يجعل صدقته في أقاربه، ففعل أبو طلحة رضي الله عنه.

لم يبحث عن أقل ما يستطيع تقديمه

اللافت في هذا الموقف أن أبا طلحة لم يسأل عن أقل مقدار يمكنه إنفاقه حتى يتحقق له البر، بل نظر إلى أحب أمواله إلى قلبه، وجعله صدقة لله.

فلم يتعامل مع الآية بوصفها كلمات جميلة عن فضل الإنفاق، بل جعلها معيارًا يختبر به تعلق قلبه بالدنيا.

وهنا يظهر الفرق بين من يقرأ القرآن ليعرف ما فيه، ومن يقرؤه ليعمل بما فيه.

فقد نقرأ جميعًا قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، لكن السؤال الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا:

هل ننفق مما نحب فعلًا، أم نكتفي بإخراج ما استغنينا عنه؟

3. ثابت بن قيس.. آية جعلته يحاسب نفسه حتى بُشّر بالجنة

ليس كل من تأثر بآية كان غارقًا في المعاصي، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم أشد الناس تعظيمًا للقرآن، حتى إن بعض الآيات كانت تجعلهم يخافون على أعمالهم، ويحاسبون أنفسهم محاسبة شديدة.

ومن أعظم الأمثلة على ذلك ما حدث للصحابي ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه.

كان ثابت خطيب الأنصار، وكان معروفًا بارتفاع صوته.

فلما نزل قول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2].

اشتد خوف ثابت حين سمع الآية.

لقد كان يعلم أنه جهوري الصوت، فخشي أن يكون ممن شملهم التحذير، وأن يكون عمله قد حبط دون أن يشعر.

فجلس في بيته حزينًا، حتى افتقده النبي ﷺ.

فلما سُئل عن سبب غيابه، قال إنه كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ، وخشي أن يكون من أهل النار.

فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ، بشّره بأنه من أهل الجنة.

قلب لم يبحث عن استثناء لنفسه

كان بإمكان ثابت أن يقول إن ارتفاع صوته طبيعة فيه، وإنه لم يقصد الإساءة إلى رسول الله ﷺ.

لكنه لم يسارع إلى تبرئة نفسه، بل خاف من وعيد الآية، وراجع حاله.

وهذا لا يعني أن المسلم ينبغي أن يسيء الظن برحمة الله، أو يحمل نفسه ما لم يكلّفه الله به، وإنما يدل على عظيم تعظيم الصحابة لكلام الله، وشدة حرصهم على سلامة أعمالهم.

إن القرآن حين يستقر في القلب يجعل الإنسان يقف عند أوامر الله ونواهيه، فلا يتعامل معها باستخفاف، ولا يبحث دائمًا عن الأعذار التي تريحه من محاسبة نفسه.

4. عمر بن الخطاب.. حين ذكّرته الآيات بحقيقة الدنيا

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أشد الصحابة تأثرًا بالقرآن، وقد ظهرت آثار ذلك في عبادته وعدله ومحاسبته لنفسه.

ومن المواقف التي نقلها الإمام السيوطي في «الدر المنثور» ما رُوي عنه عند قراءته قول الله تعالى:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14].

فقال فيما رُوي عنه:

«الآن يا رب، وقد زيّنتها في القلوب».

ثم جاءت الآية التالية لتبين أن ما أعده الله للمتقين خير من متاع الدنيا:

﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15].

كيف يعيد القرآن ترتيب الأولويات؟

تأمل كيف انتقل السياق القرآني من الحديث عما تحبه النفوس في الدنيا إلى ما أعده الله للمتقين في الآخرة.

فالقرآن لا ينكر أن الإنسان يحب المال والأهل والزينة، ولا يجعل مجرد وجود هذه المحبة ذنبًا.

لكنه يضع أمام الإنسان حقيقة ينبغي ألا تغيب عنه: أن متاع الدنيا مهما عظم فهو زائل، وأن ما عند الله خير وأبقى.

وهذه من أعظم آثار القرآن في حياة المؤمن؛ أن يعيد ترتيب أولوياته، فلا يجعل الدنيا غايته الكبرى، ولا يضحي بدينه من أجل متاعها.

5. كعب بن مالك.. حين كان الصدق أثقل من الاعتذار

قد يكون أصعب موقف يمر به الإنسان أن يعترف بخطئه، وهو يعلم أن الاعتراف سيترتب عليه ألم وعقوبة، بينما يستطيع بكلمات قليلة أن يختلق عذرًا ينجيه من الحرج.

لكن كعب بن مالك رضي الله عنه اختار طريقًا آخر.

حين خرج رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك، تخلف كعب عن الخروج مع المسلمين، مع أنه كان قادرًا على الاستعداد والمشاركة.

وكان يؤجل تجهيز نفسه يومًا بعد يوم، حتى مضى الجيش، ولم يلحق به.

فلما عاد النبي ﷺ إلى المدينة، جاء المتخلفون يعتذرون إليه، ويذكرون أعذارًا مختلفة.

أما كعب، فقد وقف أمام رسول الله ﷺ، واعترف بأنه لم يكن له عذر في التخلف.

بالرغم أنه كان يستطيع أن يصوغ عذرًا مقنعًا، لكنه أدرك أن النجاة الحقيقية ليست في الخروج من الموقف بكلمات ترضي الناس، وإنما في الصدق مع الله.

فأمر النبي ﷺ المسلمين بهجره هو وصاحبيه اللذين صدقا في اعترافهما.

واستمر هذا الابتلاء خمسين ليلة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم.

ثم جاء الفرج من الله تعالى، ونزل قوله سبحانه:

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118].

ثم قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

حين تتحول التجربة إلى عهد مع الله

هذه القصة تختلف عن المواقف التي سمع فيها أصحابها آية فتغيروا مباشرة؛ فكعب اختار الصدق أولًا، ثم نزل القرآن بتوبة الله عليه وعلى صاحبيه.

لكن أثر القرآن في حياته لم يتوقف عند إعلان التوبة.

فقد قال كعب رضي الله عنه بعد ذلك:

«إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت».

وتحولت التجربة إلى مبدأ يلتزمه في حياته.

 

6. عبد الله بن المبارك.. حين صار سؤال «ألم يأن» بداية طريق جديد

من الأخبار التي أوردها الإمام القرطبي في تفسيره قصة تُروى عن الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله في بداية حياته.

وتذكر الرواية أنه كان في بستان مع بعض أصحابه، وقد اجتمعوا على اللهو، ثم قام في الليل يعزف على العود.

وفي سياق الخبر ورد قول الله تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16].

فقال: «بلى والله».

وتذكر الرواية أنه كسر العود، وانصرف عما كان فيه، وكان ذلك بداية زهده واجتهاده.

المشكلة ليست دائمًا في معرفة الحق

كثير من الناس يعرفون أن عليهم تغيير بعض عاداتهم، أو التوقف عن معصية، أو العودة إلى عبادة هجروها.

لكن المشكلة قد تكون في التسويف.

يقول الإنسان: سأبدأ غدًا، أو بعد انتهاء عملي، أو عندما تتحسن ظروفي.

ثم تمضي الأيام، ويظل القرار مؤجلًا.

ولهذا يأتي سؤال الآية ليوقظ القلب من طول التأجيل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾؟

فربما لا يحتاج الإنسان إلى موعظة جديدة بقدر ما يحتاج إلى أن يستجيب للموعظة التي يعرفها بالفعل.

7. الحارث بن سويد.. آيات فتحت باب العودة بعد الذنب

من أعظم المعاني التي يقررها القرآن الكريم أن باب التوبة مفتوح لمن رجع إلى الله صادقًا، مهما عظم ذنبه، ما دام في زمن قبول التوبة.

ومن الأخبار التي نقلتها كتب التفسير قصة الحارث بن سويد.

فقد ورد في بعض الروايات أنه أسلم، ثم ارتد ورجع إلى قومه.

وفي سياق هذه القصة ورد قول الله تعالى:

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 86].

ثم جاء بعد ذلك قوله سبحانه:

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89].

وتذكر الروايات أنه لما بلغته الآيات، رجع إلى الإسلام وحسن إسلامه.

لا تجعل الذنب يمنعك من الرجوع

تأمل كيف جمعت الآيات بين التحذير الشديد من الكفر بعد الإيمان، وفتح باب التوبة لمن رجع وأصلح.

فالقرآن لا يهوّن من شأن الذنب، لكنه في الوقت نفسه لا يغلق باب الأمل أمام التائبين.

فقد يقع الإنسان في خطأ عظيم، ثم يظن أنه لم يعد أهلًا للرجوع، وأن ما مضى من حياته يمنعه من بداية جديدة.

لكن الله تعالى يقول:

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾.

8. جيل الصحابة.. حين جاءت آية تعاتب القلوب

قد نظن أن المواعظ التي تدعو إلى خشوع القلب والعودة إلى الله لا يحتاج إليها إلا العصاة والغافلون.

لكن القرآن الكريم ربّى الصحابة أنفسهم، وذكّرهم ووعظهم، مع ما كانوا عليه من الإيمان والسبق إلى الخير.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال:

«ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلا أربع سنين».

آية عتاب وتربية، جاءت لتذكّر المؤمنين بأهمية خشوع القلوب، وألا يكون مرور الزمن سببًا في الفتور والغفلة.

حتى القلوب المؤمنة تحتاج إلى التذكير

في هذا الأثر معنى بالغ الأهمية؛ وهو أن الإيمان لا يعني استغناء الإنسان عن الموعظة.

فالإنسان قد يبدأ طريق الطاعة بحماس عظيم، ثم يعتاد العبادة، وتقل مراقبته لقلبه، حتى تصبح بعض أعماله مجرد عادات يؤديها دون حضور كافٍ.

ولهذا يحتاج المؤمن إلى تجديد صلته بالقرآن، ومحاسبة نفسه، واستحضار المعاني التي تحيي قلبه.

فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم قد جاءتهم موعظة تذكرهم بخشوع القلوب، فكيف بنا ونحن أحوج ما نكون إلى التذكير؟

 


لماذا غيّرت هذه الآيات حياة أصحابها؟

بعد تأمل هذه المواقف، يظهر أن السر لم يكن في مجرد سماع الآيات، وإنما في طريقة استقبالها والاستجابة لهدايتها.

أولًا: كانوا يتعاملون مع القرآن باعتباره خطابًا لهم

لم يكن الفضيل بن عياض، فيما ترويه قصته، يسمع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ ثم ينصرف إلى التفكير في أحوال الآخرين.

بل وجد نفسه أمام سؤال يحتاج إلى جواب.

وهكذا ينبغي أن يتعامل المسلم مع آيات القرآن؛ فإذا قرأ آية تأمر بالصدق، سأل نفسه عن صدقه، وإذا قرأ آية تحذر من الظلم، راجع معاملته للناس، وإذا قرأ آية تدعو إلى الإنفاق، نظر في نصيبه من البذل.

ثانيًا: لم يكتفوا بالتأثر العاطفي

التأثر بالقرآن نعمة عظيمة، وقد يبكي الإنسان عند سماع آيات الوعد والوعيد.

لكن التأثر الذي نبحث عنه هو الذي يقود إلى العمل.

فأبو طلحة لم يكتفِ بالإعجاب بمعنى الإنفاق، بل تصدق بأحب أمواله.

والفضيل، وفق الرواية المشهورة، لم يكتفِ بالندم على ماضيه، بل ترك الطريق الذي كان يسير فيه.

وكعب بن مالك لم يجعل الصدق موقفًا عابرًا، بل اتخذه عهدًا في حياته.

ثالثًا: أدركوا أن القرآن يغيّر الأولويات

قد يظن الإنسان أن سعادته في جمع المال، أو تحصيل المكانة، أو الوصول إلى متاع من متاع الدنيا.

لكن القرآن يذكّره بأن الحياة أوسع من هذه الأهداف، وأن وراءها غاية أعظم، وهي عبادة الله وابتغاء رضوانه.

وحين تستقر هذه الحقيقة في القلب، تتغير نظرة الإنسان إلى المال والوقت والعلاقات والنجاح والخسارة.

رابعًا: لم يؤجلوا الاستجابة

من أخطر ما يحول بين الإنسان وبين التغيير أن يعرف الحق ثم يؤجل العمل به.

فكم من شخص يقول إنه سيحافظ على الصلاة في وقتها، أو سيبدأ في حفظ القرآن، أو سيترك عادة سيئة، لكنه لا يحدد متى يبدأ!

ولهذا كان من أعظم معاني قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ أنها توقظ الإنسان من التسويف، وتدعوه إلى مراجعة حاله قبل أن يمضي من عمره المزيد.

 

وأنت.. ما الآية التي ستغير حياتك؟

بعد كل هذه المواقف، يبقى السؤال الأهم:

ربما تحفظ آيات كثيرة عن الصبر، لكنك تحتاج إلى استحضارها حين تشتد عليك المصائب.

وربما تقرأ آيات تحذر من الغيبة، لكنك تحتاج إلى أن تتذكرها عندما تجلس في مجلس يُذكر فيه الناس بالسوء.

وربما تحفظ قوله تعالى:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

لكنك تحتاج إلى تطبيقها حين تختلف مع أحد، أو تغضب من قريب، أو تتعامل مع شخص أساء إليك.

وربما تقرأ قوله تعالى:

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].

ثم تحتاج إلى استحضارها حين تنتهي علاقة، أو يقع خلاف، أو تنشأ خصومة.

وربما تمر على قوله سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

فتكون سببًا في أن تعود إلى الله بعد ذنب طالما أثقل قلبك.

ليس المطلوب أن تحدث في حياتك قصة استثنائية تشبه قصص السابقين، وإنما أن يكون للقرآن أثر حقيقي في يومك وقراراتك وأخلاقك.

أن تترك معصية لأنك تذكرت آية، أو تعفو عن إنسان لأنك قرأت وعد الله للعافين، أو تتصدق بما تحب لأنك تريد أن تنال البر، أو تصدق في موقف صعب لأنك تعلم أن الله يحب الصادقين.

فقد تكون أعظم ثمرة لتلاوتك اليوم أن تخرج من المصحف بقرار واحد يجعلك أقرب إلى الله.

وحين تقرأ مرة أخرى قول الله تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16].

فلا تجعل السؤال يمر على سمعك دون أن تراجع قلبك.

فكم من آية كانت بداية طريق جديد، وكم من إنسان تغيرت حياته حين صدق في الاستجابة لكلام الله!

ولعل الآية التي تحتاج إليها لتبدأ التغيير ليست آية لم تسمعها من قبل، بل آية تعرفها جيدًا، وتنتظر منك أن تعمل بها.
فاللهم اهدنا بالقرآن واجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا اللهم آمين


 

بحث
الأكثر تداولاً

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة