أرسل الله تعالى رسلًا إلى الناس يعرّفونهم بربهم، ويأخذون بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، فكانت الرسالة رحمةً من الله بخلقه، ودليلًا على عنايته بهم.
وجوب الإيمان بالرسل:
والإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان العبد إلا به؛ قال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰۤىِٕكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ﴾.
وفي حديث جبريل عليه السلام، (كان النَّبيُّ ﷺ بارِزًا يَومًا للنَّاسِ، فأتاه جِبريلُ فقال: ما الإيمانُ؟ قال: الإيمانُ أن تُؤمِنَ باللهِ ومَلائِكَتِه، وكُتُبِه، وبلِقائِه، ورُسُلِه وتُؤمِنَ بالبَعثِ) [متفق عليه].
فالمؤمنون يصدّقون الأنبياء والرسل فيما جاءوا به من عند الله، ويؤمنون بأنهم دعوا إلى توحيده وطاعته، وأنهم صادقون فيما بلّغوا عن ربهم، هادون إلى سبل الخير.
والإيمان بالرسل يقتضي تصديقهم فيما أخبروا به عن الله تعالى، والملائكة، والكتب المنزلة، والبعث، والقدر، وسائر ما صح من أخبارهم عن صفات الله تعالى واليوم الآخر، كالميزان والصراط والجنة والنار.
كيفية الإيمان بالرسل:
والإيمان بالرسل على وجهين:
إجمالي وهو أن نؤمن بجميع الرسل الذين أرسلهم الله تعالى، من عرفنا أسماءهم ومن لم نعرفها، وأن نصدّق برسالتهم جميعًا، من غير إنكار لأحد منهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.
والتفصيلي أن نؤمن بالرسل الذين وردت أسماؤهم وأخبارهم في القرآن الكريم والسنة النبوية، وفق ما ثبت في الشرع من أحوالهم وما أُخبرنا به عن رسالاتهم.
وهذان الوجهان متكاملان؛ فالإيمان الإجمالي واجب على كل مسلم، أما معرفة التفاصيل المتعلقة بالرسل وما ثبت من أخبارهم، فهي من العلم الذي تتفاوت فيه مراتب الناس.
ويحظى الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام بخصوصية، لما ارتبط بهما من مواقف ومعتقدات تميّز أهل الإيمان من غيرهم.
كيفية الإيمان بعيسى عليه السلام:
ويقتضي الإيمان بعيسى عليه السلام التصديق بأنه عبد الله ورسوله، وأنه المسيح عيسى ابن مريم، وأن الله تعالى أيده بالمعجزات، وجعله آية للناس، وأنه ليس إلهًا ولا ابنًا لله، بل رسول كريم من رسله، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾.
ومن أصول الإيمان به التصديق بما أخبرنا الله تعالى عن نجاته من القتل والصلب، ورفعه إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِینَ ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ لَفِی شَكࣲّ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ یَقِینَۢ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَیۡهِۚ﴾.
كما نؤمن بنزوله في آخر الزمان، كما أخبر النبي ﷺ: (والذي نَفسي بيَدِه، لَيوشِكَنَّ أن يَنزِلَ فيكُمُ ابنُ مَريَمَ حَكَمًا عَدلًا، فيَكسِرَ الصَّليبَ، ويَقتُلَ الخِنزيرَ، ويَضَعَ الجِزيةَ)[متفق عليه].
وهكذا يحفظ الإيمان الصحيح لعيسى عليه السلام مكانته التي أنزله الله إياها؛ فلا جحود لرسالته، ولا غلوّ يخرجه عن مقام العبودية والرسالة.
كيفية الإيمان بمحمد ﷺ:
والإيمان بمحمد ﷺ يتضمن التصديق بأنه رسول الله إلى الناس كافة، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده، وأن ما جاء به من القرآن والسنة حق من عند الله تعالى، وأن شريعته هي الشريعة الخاتمة والواجبة الاتباع، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَاۤ أَحَدࣲ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِیِّـۧنَۗ﴾.
وقد أكدت السنة النبوية ختم النبوة به ﷺ، ومن ذلك قوله: (إنَّ الرسالةَ والنُّبوَّةَ قد انقطعتْ، فلا رسولَ بعدي و لا نبيَّ) [صحيح الجامع].
ومن مقتضيات الإيمان به ﷺ محبته وتقديم محبته على كل محبوب، إذ لا يكتمل الإيمان مع تقديم شيء على محبة الله ورسوله، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَاۤؤُكُمۡ وَأَبۡنَاۤؤُكُمۡ وَإِخۡوَ ٰنُكُمۡ وَأَزۡوَ ٰجُكُمۡ وَعَشِیرَتُكُمۡ وَأَمۡوَ ٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةࣱ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَاۤ أَحَبَّ إِلَیۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادࣲ فِی سَبِیلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦ﴾.
وقال ﷺ:(لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى أكونَ أحَبَّ إليه مِن والِدِه وولَدِه والنَّاسِ أجمَعينَ) [صحيح البخاري]. ومحبته ﷺ تظهر حقيقتها في اتباعه، والاقتداء بهديه، والعمل بسنته، وموافقة أمره، والابتعاد عما نهى عنه.
حكم الإيمان ببعض الرسل:
ولا يصح الإيمان ببعض رسل الله تعالى دون بعضهم الآخر؛ فمن آمن ببعضهم وكفر بآخرين، حق فيه قول الله تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَیُرِیدُونَ أَن یُفَرِّقُوا۟ بَیۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَیَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضࣲ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضࣲ وَیُرِیدُونَ أَن یَتَّخِذُوا۟ بَیۡنَ ذَ ٰلِكَ سَبِیلًا* أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡكَـٰفِرُونَ حَقࣰّاۚ﴾.
ومن أمثلة ذلك ما وقع من اليهود الذين آمنوا بموسى عليه السلام وكذّبوا عيسى عليه السلام، والنصارى الذين آمنوا بعيسى عليه السلام وكذّبوا محمدًا ﷺ، وقد رفض القرآن الكريم هذا التفريق، قال تعالى:﴿لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾.
ولا تعارض بين الإيمان بجميع الرسل وعدم التفريق بينهم في أصل التصديق، وبين تفاضلهم في المنزلة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. فالتفاضل ثابت بما أخبر الله به، أما الإيمان بصدق رسالتهم جميعًا، فلا يجوز أن يكون محل تفريق.
التحذير من معاداة الرسل:
وإذا كان الإيمان بالرسل واجبًا، فإن معاداتهم والاستهزاء برسالاتهم من أعظم ما حذّر الله تعالى منه، وقد قرن الله تعالى العداوة لرسله بالعداوة له ولملائكته، فقال:﴿مَن كَانَ عَدُوࣰّا لِّلَّهِ وَمَلَـٰۤىِٕكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِیلَ وَمِیكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوࣱّ لِّلۡكَـٰفِرِینَ﴾.
ومن الصور المعاصرة لهذا الاستهزاء:
1-الرسوم المسيئة (كاريكاتير)، مثل الرسوم التي نشرتها بعض الصحف الأوروبية والتي تمثل استهزاءً مباشراً بشخص النبي محمد ﷺ ومقامه العظيم تحت ذريعة "حرية التعبير".
2-الأفلام والمسلسلات التي تحاول تجسيد الأنبياء والمرسلين، وتناول سيرتهم في إطار درامي وتاريخي مخالف لما هو ثابت في نصوص الكتاب والسنة.
3-الحملات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تتداول صور مركّبة أو منشورات ساخرة من الأنبياء والمرسلين.
4-التطاول في الخطاب الثقافي، فبعض الخطابات أو المقالات في وسائل الإعلام الغربية تبرر الإساءة تحت غطاء النقد الفكري أو حرية الرأي المُطلقة التي تتجاوز احترام الأنبياء جميعهم.
ومن ثم يستحضر المؤمن هذا التحذير، فيوقّر رسل الله جميعًا، ويصون لسانه عن الانتقاص منهم، ويعلم أن مكانتهم مستمدة من اصطفاء الله تعالى لهم، وأن الإيمان بهم وتعظيمهم بما يليق بهم من مقتضيات الإيمان.
واجبنا نحو الرسل:
1- محبتهم وتوقيرهم والثناء عليهم بما يليق بمقامهم، فهم رسل الله وخيرة عباده الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، والنصح لعباده، والصبر على ما لقوه في سبيل ذلك.
2-الاقتداء بهم في الصبر وحسن الدعوة، فقد واجه الرسل أقوامهم بالحكمة والنصح، وتحملوا الأذى دون أن يتخلوا عن دعوتهم إلى الحق، وفي سيرتهم ما يعين المؤمن على الثبات، وحسن التعامل مع الناس، وعدم اليأس من الإصلاح.
3-اتباع هديهم، فنؤمن بجميع الرسل ونجلّهم، ونتبع شريعة محمد ﷺ، خاتم الأنبياء والمرسلين، ونجعل القرآن الكريم والسنة النبوية أساسًا لعملنا وسلوكنا.
4-تصديق ما صح من أخبارهم، فلا نزيد في شأنهم بغير علم، ولا ننقص من قدرهم، بل نقف عند ما ثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية، ونستفيد من قصصهم وعبرها في إصلاح أنفسنا وحياتنا.
ثمرات الإيمان بالرسل:
1-زيادة الإيمان بالله تعالى ومعرفة شرعه، فالإيمان بالرسل يعرّف المؤمن بما أمر الله به وما نهى عنه، ويبيّن له كيفية عبادته على الوجه الذي يرضيه، فيعمل على بصيرة بدلًا من أن يسير وفق الظنون والأهواء.
2-استشعار رحمة الله تعالى وعنايته بعباده، حين يتأمل المؤمن إرسال الرسل، يدرك أن الله تعالى لم يترك خلقه دون هداية، بل أرسل إليهم من يبيّن لهم طريق الحق، وهذا المعنى يورث القلب امتنانًا لله تعالى، ويجعله أكثر إدراكًا لقيمة الهداية في حياته.
3-شكر الله تعالى على نعمة الهداية، فمعرفة الطريق إلى الله، وتعلّم ما يصلح به القلب والعمل، نعمة تستحق الشكر، ويكون شكرها بالتصديق بالرسل، والعمل بما جاءوا به، والحرص على الاستقامة.
4-الثبات أمام الابتلاء واليقين بحسن العاقبة، ففي قصص الرسل وأتباعهم ما يعلّم المؤمن أن طريق الحق قد يصاحبه الأذى والمشقة، وأن الصبر على الطاعة والثبات على الحق من أسباب نيل الثواب وحسن العاقبة التي وعد الله بها المتقين.
5-الاعتزاز بالاهتداء إلى رسالة محمد ﷺ، فمن رحمة الله بهذه الأمة أن بعث فيها خاتم رسله، وأنزل عليه القرآن الكريم، وجعل شريعته طريقًا للهداية، وهذا الاعتزاز يكون بالعمل بما جاء به النبي ﷺ، والتمسك بهديه.
خاتمة:
إن صدق الإيمان بالرسل يظهر في التمسك بالحق، وحسن العبادة، والصبر على الطاعة، والرحمة بالخلق، والاقتداء بهدي النبي ﷺ، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا الإيمان الصادق برسله جميعًا، وأن يجعلنا من المتبعين لهدي خاتمهم محمد ﷺ، وأن يحيينا على الإيمان، ويثبتنا عليه حتى نلقاه.
تحدي الاقتداء:
اختر خُلُقًا من أخلاق النبي ﷺ، وحاول العمل به اليوم، واجعل علامة قبول التحدي أن تصلّي عليه ﷺ في التعليقات.
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy