من المواقف المثيرة للعجب في حياتنا الآن أن ترى إنسانا في موقف حرج يحتاج فيه إلى مساعدة ونجدة، ثم تجد كثيرين حوله لا يلتفتون له ولا يأبهون به، بل والأقسى من ذلك أن تجد بعضَهم ينشغل بتصوير المشهد بهاتفه سعيا وراء جمع "الإعجابات" و"المتابعات"!
إننا نجد أنفسنا أمام تبلد حسي عجيب؛ حيث حلتْ مشاهدةُ الألم وتصويره محلَّ المبادرة إلى التخفيف منه وإعانة صاحبه.
إننا في مثل هذه المشاهد نحتاج إلى شهامةٍ كشهامةِ موسى عليه السلام:
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 23 - 24] .
فحين وجد موسى عليه السلام على ماء «مدين» جماعةً من الناس يسقون مواشيهم، ووجد من دون تلك الجماعة امرأتين منفردتين عن الناس، تحبسان غنمهما عن الماء؛ لعجزهما وضعفهما عن مزاحمة الرجال، وتنتظران حتى تَصْدُر عنه مواشي الناس، ثم تسقيان ماشيتهما، فلما رآهما موسى -عليه السلام- رقَّ لهما، ثم قال: ما شأنكما؟ قالتا: لا نستطيع مزاحمة الرجال، ولا نسقي حتى يسقي الناس، وأبونا شيخ كبير، لا يستطيع أن يسقي ماشيته؛ لضعفه وكبره!
فثار موسى، وتحرَّكت فيه عوامِلُ الشَّهامةِ والرُّجولةِ، وسقى لهما، وأدلى بدَلْوِه بَينَ دلاءِ الرِّجالِ حتى شَرِبَت ماشِيَتُهما.(1)
فعلى رغم الحال التي كان عليها موسى عليه السلام؛ إذ خرج من مصر خائفًا طريدًا بعد حادثة قتل القبطي، ووصل إلى أرض مدين غريبًا مُتعبًا جائعًا، لا يملك من أمره شيئًا، إلا أنه رغم ذلك كله بادر إلى نجدة المرأتين ومساعدتهما دون أن يطلب منهم أجرة، وإنما ابتغاء وجه الله.
ولعل شهامة ذلك الناصح لموسى عليه السلام كانت لا تزال عالقةً في ذهنه حين بادر إلى نجدة المرأتين، وهي شهامة أخرى تستحق التنويه:
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: 20] .
فحين سمع ذلك الرجلُ بأن أشراف القِبْطِ وقادتهم يتشاورون في قتل موسى عليه السلام، خرج مسرعًا إليه فسبقَهم وصولاً إلى موسى وحذره من سعْي القوم في قتله، ونصَحه بالخروج من المدينة فامتثل نصحه؛ ولنِعْمَ الناصح هو!
وقد كان النبي ﷺ مثلا يُحتذى في الشجاعة والشهامة، كما يقول أنس رضي الله عنه: (كان رسولُ اللهِ ﷺ أحسَنَ النَّاسِ، وأجوَدَ النَّاسِ، وأشجَعَ النَّاسِ، قال: وقد فَزِع أهلُ المدينةِ ليلةً سَمِعوا صوتًا، قال: فتلقَّاهم النَّبيُّ ﷺ على فَرَسٍ لأبي طَلحةَ عُرْيٍ [لا سرج عليه] ، وهو متقَلِّدٌ سيفَه، فقال: لم تُراعُوا ، لم تراعُوا [لا فزع ولا روع؛ فاسكنوا] …)(2).
وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن النبي ﷺ كان قد جُمع له من جودة ركوب الخيل، والشجاعة، والشهامة، والانتهاض الغائي في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجع الناس، وأجرأ الناس في حال البأس، ولذلك قالوا: إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ بجنابه إذا التحمت الحروب، وناهيك به، فإنَّه ما ولَّى قطٌّ منهزمًا، ولا تحدَّث أحد عنه قط بفرار.(3)
مظاهر وصور الشهامة:
وللشهامةِ صور كثيرة في حياة المسلم، ومن أبرزها:
1- السعي في نفع الآخرين:
بجلب الخير لهم، ودفع الضرر عنهم، ومساعدتهم فيما يحتاجون إليه؛ قال ﷺ وهو يحث على إعانة رجل قد لدغتْه عقربٌ: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»(4).
2- التيسير على المعسر:
بإمهاله في سداد دَينه، أو التنازل عن شيء منه، فقد قال ﷺ في رجل كان يفعل ذلك: «فأدخله الله الجنة»(5).
3- حفظ حقوق الآخرين:
بأداء الأمانات والوفاء بالحقوق، ومن ذلك قصة أحد أصحاب الغار الثلاثة، وهو الذي استثمر أجر أجيره الغائب حتى نما ماله، ثم أعطاه إياه كاملًا حين عاد، فكان ذلك من أسباب تفريج كربته.(6)
4- نصرة صاحب الحق ومؤازرته:
بالقول والفعل، وتثبيته عند الشدائد، ومن ذلك موقف ورقة بن نوفل حين صدّق النبي ﷺ عند بدء نزول الوحي، وقال له: «يا ليتَني فيها جَذَعًا، ليتَني أكونُ حَيًّا إذ يخرِجُك قومُك … وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا»(7).
5- قضاء حوائج الضعفاء والمحتاجين:
بتفقد الأرامل والمساكين والأيتام، والسعي في مصالحهم والنفقة عليهم، وقد قال ﷺ: «السَّاعي على الأرمَلةِ والمِسكينِ كالمجاهِدِ في سبيلِ اللهِ، أو القائِمِ اللَّيلِ الصَّائمِ النَّهارِ»(8)، وقال في كافل اليتيم: «وأنا وكافِلُ اليتيمِ في الجنَّةِ هكذا، وأشار بالسَّبَّابةِ والوُسطى، وفَرَّج بينهما شيئًا»(9).
6- مد يد المساعدة والرفق بالمسلمين:
ومن ذلك ما فعله عثمان رضي الله عنه حين اشترى بئر رومة، ولم يكن في المدينة ماءٌ عذبٌ غيرها، وجعلها للمسلمين، إيثارًا لنفع الناس على مصلحته الخاصة.(10)
7- الرفق بأهل البلاء وأصحاب الأعذار:
بالتلطف معهم، وتخفيف المشقة عنهم، وقضاء حوائجهم، كما كان هدي النبي ﷺ في تعامله مع الضعفاء وأصحاب الحاجات. ومن ذلك شهامته ﷺ مع تلك المرأةِ التي كان في عَقلِها شيءٌ، وجاءته تطلُبُ حاجةً لها؛ فلم يتركها حتى قضى لها حاجتها(11).
8- العفو عمن أساء إليك:
بكبح دوافع الانتقام والتشفي، والعفو عند المقدرة، قال ﷺ: «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا»(12)؛ فالعفو من شيم النفوس الكبيرة وأهل المروءة.
9- الرحمة والالتزام بالأخلاق حتى في القتال:
فمن الشهامة ألا يتجاوز المسلم حدود الله، وألا يعتدي على من لا يقاتله، وقد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان، وعن الغدر والمُثلة.(13).
فوائد الشهامة:
والشهامة ليست خُلُقًا جميلًا ينعكس أثره على الآخرين فحسب، بل يعود خيرها على صاحبها قبل غيره؛ فهي تورثه الذكر الجميل، وتكشف عن علو همته وكرم نفسه، وتدفعه إلى التحلي بمكارم الأخلاق والابتعاد عما يشينها وينقصها. وبها ينال صاحبها من الأجر بقدر ما يبذله من معروف وإحسان، وقد ترفعه تلك الأعمال إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات.
كما أن أثر الشهامة يتجاوز الفرد إلى المجتمع؛ فهي تفرّج الكرب، وتخفف الهموم، وتنشر الأمن والطمأنينة، وتغرس المحبة في النفوس، وتزيل أسباب العداوة والجفاء بين الناس، حتى يصبح المجتمع أكثر ترابطًا ورحمةً وتكافلًا.
لو رأيت اليوم إنسانًا يحتاج إلى نجدة.. هل ستكون متفرجًا أم صاحبَ شهامة؟
شاركنا رأيك، وانشر الفائدة لمن تحب📲
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التفسير الواضح (2/ 825).
(2) أخرجه البخاري (3040)، ومسلم (2307).
(3) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/ 100).
(4) أخرجه مسلم (2199).
(5) أخرجه البخاري (3451)، ومسلم (1560).
(6) أخرجه البخاري (2272).
(7) أخرجه البخاري (3)، ومسلم (160).
(8) أخرجه البخاري (5353) واللفظ له، ومسلم (2982).
(9) أخرجه البخاري (5304).
(10) أخرجه الترمذي (3703)، والنسائي (3608)، وحسنه الألباني والأرناؤوط.
(11) أخرجه مسلم (2326).
(12) أخرجه مسلم (2588).
(13) أخرجه مسلم (1731).
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy