قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِی ٱلۡأَرۡضِ یُضِلُّوكَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۚ﴾. تضعنا هذه الآية أمام حقيقة أن ليس كل ما ينتشر يستحق الاتباع، ولا كل ما يفعله أكثر الناس يصبح صوابًا.
وفي عصر المنصات الرقمية، تتجلى هذه الحقيقة في الترندات والموضات التي تجذب الناس إلى تقليد سلوكيات معينة لمجرد شيوعها، أو رغبةً في مواكبة الآخرين وعدم الشعور بالاختلاف عنهم.
فكم من سلوك يُدافع عنه اليوم لمجرد أنه شائع، وكم من شخص يتخلى عن قناعته أو يتجاوز ما يؤمن به لأن المحيطين به يفعلون الشيء نفسه!
وهنا يتحول الترند من مجرد ظاهرة عابرة إلى ضغط يدفع الإنسان إلى التبعية، ويصرفه عن التفكير في حقيقة ما يفعل ومدى موافقته لقيمه ودينه.
التحذير النبوي من اتباع مسالك الآخرين بلا بصيرة:
وقد حذّر النبيﷺ من شدة اتباع بعض المسلمين لمن سبقهم في مسالكهم، فقال: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟).[متفق عليه].
ويصور الحديث شدة المحاكاة التي قد تبلغ حد اتباع الآخرين في مسالكهم دون تمييز، حتى يصبح التشابه في السلوك غاية مستقلة عن صحة الفعل أو فساده.
وهو تحذير من أن ينجرف المسلم وراء ما يشيع في المجتمعات الأخرى من مخالفات، لمجرد الإعجاب بها أو الرغبة في التشبه بأصحابها.
لا يكونن أحدكم إمعة:
ومن الأقوال المأثورة في ذم التبعية بلا بصيرة "لا يكونن أحدكم إمعة، يجري مع كل ريح".
والإمعة هو الذي يتبع الناس حيث اتجهوا؛ فإن أحسنوا أحسن معهم، وإن أساؤوا أساء مثلهم، وإن انتشر سلوك بينهم سارع إلى تبنيه دون أن يسأل عن صحته.
وهذه صورة تتجلى اليوم بوضوح في بعض أنماط استخدام منصات التواصل الاجتماعي، حين يتحول عدد المشاهدات أو إعجابات الجمهور إلى معيار للحكم على السلوك، وكأن ما يلقى قبولًا واسعًا لا يمكن أن يكون خطأ.
دوافع التقليد:
وقد أشار ابن خلدون إلى أثر القوة والغلبة في تشكيل سلوك الأفراد والمجتمعات، في العبارة المشهور "المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده".
ويكشف هذا المعنى عن أحد دوافع التقليد؛ فقد ينجذب الإنسان إلى نمط حياة جماعة يراها أقوى أو أكثر تقدمًا، فيحاكي مظاهرها وعاداتها، دون تمييز بين ما ينفعه وما لا يناسبه.
والاستفادة من تجارب الأمم لا تتعارض مع الاعتزاز بالهوية أو الالتزام بالدين؛ فمعيار قبول الفكرة أو رفضها، هو مدى توافقها مع القيم الدينية.
صور معاصرة للتقليد الأعمى:
1-تقليد الصيحات المنتشرة على منصات التواصل
وقد تنتشر تحديات أو مقاطع تتضمن سلوكيات خطرة، أو ألفاظًا غير لائقة، أو استهزاء بالآخرين، فيسارع بعض المستخدمين إلى تقليدها طلبًا للمشاهدات والشهرة.
2-تقليد المشاهير في المظهر والملابس
قد تدفع الرغبة في التشبه بالمشاهير بعض الناس إلى تبني قصات شعر أو أنماط من الملابس دون مراعاة ملاءمتها أو دلالاتها أو أحكامها الشرعية.
ومن ذلك المبالغة في اتباع صيحات الملابس الممزقة أو الشعارات المطبوعة على الثياب والسيارات، لمجرد أنها شائعة أو مرتبطة بشخصية محبوبة.
3- تقليد الغرب في المناسبات والعادات
وقد يتبنى بعض الناس مناسبات أو طقوسًا اجتماعية وافدة دون فهم خلفيتها أو النظر في مدى توافق ممارساتها مع قيمهم الدينية، ومن الأمثلة المتداولة الاحتفال بما يسمى "عيد الحب"، المعروف باسم "فالنتاين"، حين يتحول عند بعض الأشخاص إلى مناسبة لربط الحب بعلاقة عابرة أو ممارسات تخالف الضوابط الشرعية.
4- مسايرة المجتمع في الأخطاء
وقد يعرف المرء أن سلوكًا ما غير صحيح، لكنه يشارك فيه خشية أن يختلف عن أصدقائه أو زملائه أو محيطه الاجتماعي، وقد يظهر ذلك في التساهل في الغيبة، أو السخرية من الآخرين، أو التهاون في الحقوق، أو المشاركة في ممارسات غير أخلاقية؛ لأن رفضها قد يعرضه للسخرية أو يجعله مختلفًا عن "المجموع".
كيف نواجه التقليد الأعمى؟
تبدأ مواجهة التقليد الأعمى بإدراك أن العادة مهما طال عمرها تظل قابلة للمراجعة، والتمييز بين ما يحمل قيمة نافعة، وما يتعارض مع أحكام الدين و يضر بالفرد والمجتمع.
ويمكن تعزيز هذا الوعي من خلال خطوات عملية:
1-عرض العادات على ميزان الشرع:
فما خالف نصًّا شرعيًّا صحيحًا لا يصبح جائزًا لمجرد شيوعه أو توارثه، مع الرجوع إلى أهل العلم لفهم الأدلة وتنزيل الأحكام على الوقائع.
2-التثبت قبل المحاكاة:
قبل تقليد صيحة أو تحدٍّ أو سلوك منتشر، ينبغي السؤال عن مضمونه وآثاره، وعدم الاكتفاء بشهرته أو إعجاب الآخرين به.
3-اختيار القدوات بوعي:
الاقتداء بأهل العلم والصلاح والخبرة النافعة يكون فيما أحسنوا فيه، دون تعصب للأشخاص أو اعتقاد عصمتهم من الخطأ.
4-تعزيز التربية على التفكير المسؤول:
من المهم أن يتعلم الأبناء مناقشة العادات وفهم أسبابها، بدلًا من الاكتفاء بعبارة (هكذا وجدنا الناس يفعلون).
5-مقاومة ضغط الجماعة بالحكمة:
لا يحتاج رفض الخطأ إلى خصومة أو استعلاء؛ فقد يكون الموقف الهادئ، والاعتذار عن المشاركة، وبيان السبب بأدب، أبلغ أثرًا من المواجهة الحادة.
خاتمة:
الغاية أن يكون الانسان واعيًا فيما يتبناه، مميزًا بين الاقتداء النافع والتبعية العمياء، وبين العادة الحسنة والممارسة المخالفة.
اكتب في التعليقات (آمين)
اللهم ارزقنا الانقياد لوحيك ولسنة نبيك ﷺ، والبصيرة في ديننا، وحسن التمييز بين الحق والباطل.
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy