من تبرّج الطرقات إلى استعراض الشاشات

من تبرّج الطرقات إلى استعراض الشاشات
2026/11/04

جاء النهي عن التبرج في القرآن الكريم ليعزز منظومة من الآداب والأخلاق التي ترتقي بالمرأة المسلمة في مظهرها وسلوكها وكل شأنها.

نهي يتجاوز صورة الملابس:
 

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ نهي يتجاوز صورة الملابس إلى هيئة الظهور والسلوك؛ فالتبرج يتضمن كشف ما ينبغي ستره من البدن، ويشمل إظهار الزينة والمحاسن على نحو يستدعي أنظار الرجال، كما يدخل فيه التكسر والتبختر في المشي، والتصنع في الهيئة والحركة.
وقد تعددت عبارات المفسرين في بيان صور التبرج، لكنها تلتقي عند معنى إظهار المرأة زينتها ومحاسنها أمام الرجال. 
فمنهم من فسره بالخروج متجملة أو متطيبة، ومنهم من أشار إلى طريقة المشي وما يصاحبها من تكسر وتغنج، ومنهم من وصف هيئة المرأة التي تلقي خمارها على رأسها من غير أن تحكم ستره، فتظهر قلائدها وأقراطها وعنقها. 
وهكذا يتضح أن التبرج تتعدد مظاهره بتعدد الأزياء والعادات ووسائل الزينة، مع بقاء المعنى الذي يجمعها: أن تتحول الزينة من شأن خاص لا يتجاوز حدوده المشروعة إلى مظهر معلن يقصد به إبراز المحاسن واستدعاء الأنظار.

 

الجاهلية ليست زمنًا مضى:

 

ولعل وصف هذا السلوك بأنه ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ يحمل دلالة تتجاوز الإشارة إلى زمن تاريخي بعينه؛ فالجاهلية في حقيقتها حالة من التصورات والسلوكيات التي تنشأ حين يبتعد الإنسان عن هداية الله تعالى، ويجعل أهواءه مرجعًا في النظر إلى الحياة والعلاقات.
ومن ثم، فإن إضافة التبرج إلى الجاهلية تحمل معنى التقبيح والتنفير؛ إذ تربط هذا السلوك بالجهل والسفه، وتكشف عن افتقاره إلى الرشد الذي يميز الإنسان حين يهذب الإيمان تصوره، وتضبط الشريعة سلوكه. 
ومن المؤسف أن بعض صور التبرج التي عُرفت في الجاهلية الأولى تبدو محدودة وبسيطة عند مقارنتها بما تشهده المجتمعات في عصورنا، مع تبدل الأزياء، وتطور وسائل الزينة، واتساع مساحات التكشف بدعوى التحضر والمعاصرة.

 

حين تختل دلالة الستر:

 

ومن صور التبرج التي تتجاوز مجرد كشف الجسد ما حذر منه النبي ﷺ في وصفه لبعض النساء بقوله:(صِنفانِ مِن أهلِ النَّارِ لَم أرَهما: قَومٌ معهُم سياطٌ كَأذنابِ البَقَرِ يَضرِبونَ بها النَّاسَ، ونِساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مُميلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤوسُهنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلةِ، لا يَدخُلنَ الجَنَّةَ، ولا يَجِدنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها لَيُوجَدُ مِن مَسيرةِ كَذا وكَذا) [رواه مسلم].
وفي وصف (كاسيات عاريات) إشارة إلى مفارقة لافتة؛ فالمرأة قد ترتدي الثياب، لكنها لا تحقق بها المقصود من الستر، إما لرقتها التي تصف ما تحتها، وإما لضيقها الذي يبرز تفاصيل الجسد، وإما لأنها تستر بعض البدن وتكشف بعضه على نحو يجعل الثياب نفسها وسيلة لإظهار المفاتن بدلًا من حجبها.
أما وصف (مميلات مائلات)، فقد تعددت أقوال العلماء في تفسيره؛ فقيل: مميلات لقلوب الرجال بما يظهرن من زينتهن وهيئاتهن، وقيل: مميلات لغيرهن إلى سلوك طريقهن، ومائلات عن الاستقامة والعفاف، أو متبخترات في مشيتهن، وقيل: إنهن يمشطن شعورهن مشطة تميل بها إلى هيئة معروفة عند أهل التبرج. 
وتتعدد هذه التفسيرات، لكنها تلتقي عند التحذير من هيئة تتجاوز حدود ما فرضه الله تعالى على المرأة، وتجمع بين إظهار الزينة والتأثير في أنظار الآخرين.
وكذلك قوله ﷺ: (رُؤوسُهنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ)، وهو تشبيه لهيئة الشعر حين يرفع ويضخم فوق الرأس، حتى يبدو مرتفعًا بارزًا كالسنام، وقد ذكر العلماء في تفسيره صورًا متعددة، تلتقي جميعها عند المظهر الذي يلفت الأنظار ويثير الغرائز.
وهو تحذير نبوي كريم من صور من التبرج تتخذ فيها الثياب والزينة والهيئات وسيلة لإبراز الجسد وجذب الأنظار، حتى يصبح الستر في ظاهره قائمًا، بينما يغيب مقصده في حقيقته.

 

نماذج معاصرة لبعض مظاهر التبرج:
 

ولم تعد صور التبرج في عصرنا محصورة في كشف أجزاء كبيرة من الجسد أو ارتداء الملابس الضيقة؛ فقد تتخذ أحيانًا صورًا أكثر تفصيلًا ودقة، ومن ذلك:
1- ارتداء الملابس ذات الفتحات الواسعة التي تُظهر الرقبة وأعلى الصدر، أو ترك فتحة الثوب تكشف هذه المواضع عند الحركة.
2- ارتداء غطاء الرأس بطريقة تُظهر أجزاء من الشعر أو الأذنين أو العنق، أو ترك خصلات الشعر تتدلى بصورة مقصودة حول الوجه.
3- استخدام مستحضرات التجميل اللافتة، والرموش الصناعية، والزينة التي تجعل الوجه موضع استعراض وجذب للأنظار.
4- إبراز الأقراط الطويلة والقلائد والأساور، أو تنسيق الملابس بطريقة تجعل الحلي والزينة الظاهرة عنصرًا أساسيًا في لفت الانتباه.
5- ارتداء أقمشة تكشف ما تحتها، أو ملابس تتضمن فتحات عند الظهر أو الكتفين أو الجانبين، بما يؤدي إلى إظهار أجزاء من البدن.
6- اختيار القصات التي تحدد مواضع الجسد وتبرز مفاتنه، وإن لم تكن الملابس شديدة الضيق.
7- التكسر والتبختر والمبالغة في الحركات التي تستهدف لفت الأنظار، ومن ذلك الأحذية التي تصدر أصواتًا تلفت الانتباه.
8 - التعطر بما يلفت أنظار الرجال ويستدعي انتباههم، وهو من المعاني التي تناولتها النصوص الشرعية في النهي عن خروج المرأة متعطرة على وجه مخصوص. قال ﷺ: (أيما امرأةٍ استعطرتْ فمرتْ على قومٍ ليجدوا من ريحِها فهي زانيةٌ) [رواه النسائي، وصححه الألباني].

 

من تبرج المجالس إلى استعراض المنصات:
 

ولم تعد مظاهر التبرج في عصرنا مرتبطة بالظهور في الشوارع والمجالس وحدها؛ فقد أوجدت وسائل التواصل الاجتماعي مساحات واسعة للظهور والاستعراض، وأصبحت المرأة قادرة على نقل صورتها إلى آلاف المتابعين، واختيار الزاوية والإضاءة والهيئة والتفاصيل التي تريد أن يراها الناس من خلالها.
وفي هذا الفضاء الرقمي، قد تتخذ الزينة أشكالًا جديدة، وتتحول بعض الصور والمقاطع إلى مساحة لإبراز المفاتن واستدعاء الانتباه، مع تكرار الظهور بالهيئات والحركات التي تجعل الجسد محور المحتوى ووسيلة انتشاره، بقصد صناعة صورة شخصية تستمد حضورها من مقدار ما تجذب من مشاهدات وإعجابات وتعليقات.
فالتبرج قد يصبح محتوى محفوظًا، يتداوله الناس، ويعاد نشره، ويصل إلى جمهور واسع لا تعرفه صاحبة الصورة ولا تراه.
وتزداد المسألة فحشًا حين تصبح أرقام المشاهدات والتفاعل معيارًا لتقييم الذات؛ فتشعر بعض النساء أن عليهن مواصلة الظهور وتطوير أساليب الجذب وزيادة مساحة التكشف والتبرج حتى لا يتراجع الاهتمام بهن. 

 

حين يصبح الجسد وسيلة لجمع المال:
 

ومن المظاهر الأكثر خطورة ظهور محتويات مصورة تتعمد تقديم مشاهد وإيحاءات مخلة لجذب المشاهدات وتحقيق الأرباح. 
فالأمر عند بعض من عرفن بـ (صانعات المحتوى) تجاوز الرغبة في الشهرة أو الحصول على الإعجابات، إلى أن أصبح الجسد نفسه وسيلة للتسويق، والمشاهد المثيرة أداة لزيادة الانتشار، وجذب الإعلانات، وتحقيق العائد المادي.
وفي ظل هذا النمط من صناعة المحتوى الهابط، يصبح التنازل عن الحياء مبررًا بحجة مواكبة متطلبات المنصات أو زيادة أعداد المتابعين، وقد يصل الأمر إلى إنتاج مقاطع تتعمد الإثارة والإيحاءات الجنسية، أو نشر مشاهد تخدش الحياء، ثم إعادة تقديمها تحت عناوين الترفيه.
والأخطر أن هذه الممارسات تمتد إلى الجمهور الذي يتعرض لها باستمرار، وإلى الناشئة الذين قد يتعاملون معها باعتبارها نموذجًا للنجاح والشهرة وتحقيق المال. 

 

الخاتمة:

وهكذا تتبدّل الأزياء وتتعدد المنصات، وتبقى الجاهلية حالةً لا زمنًا؛ فيما يأتي النهي القرآني ليحفظ للمرأة كرامتها ويرفع قيمتها، وليذكّر بأن الجمال الحقيقي يسكن في الستر، فمن أخذت بهذا الهدي ارتقت به وارتقى بها مجتمعها، ونسأل الله أن يرزقنا الحياء والعفاف.
 

تحدي قرآني: 

هل تستطيع كتابة الآية التي نهت المرأة عن إظهار زينتها؟ اكتبها في التعليقات، وشارك الأجر بنشرها.
 

بحث
صورة المستخدم
جاري التحميل

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة