ما أرحم الله بي!

ما أرحم الله بي!
2026/11/08

هل تتذكر موقفًا قلت فيه: ما أرحم الله بي!

هل كانت في طمأنينة ملأت قلبك وسط القلق؟ أم في أمر معقد يسره الله بعد أن ظننته مستحيلًا؟ أم في كلمة طيبة سمعتها في وقت كنت بأمس الحاجة إليها؟ أم في بلاء صرفه الله عنك دون أن تشعر؟

كم من مرة ضاقت بك الدنيا، ثم فُتحت لك أبواب لم تكن تتوقعها! وكم من أمر حزنت لفواته، ثم اكتشفت بعد حين أن الخير كان في ابتعاده عنك.

وكم من نعمة اعتدتها حتى لم تعد تستشعر أنها من رحمة الله ولطفه بك!

رحمة الله أوسع مما نتصور

قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].

فليست رحمة الله محصورة في موقف واحد أو صورة واحدة، بل تحيط بالعبد في أحواله المختلفة، في رزقه وصحته، وفي أمنه وطمأنينته، وفيما يُعطى وما يُمنع عنه.

ومن أسمائه سبحانه اللطيف، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: 19].

ومن معاني لطفه بعباده: الرفق بهم والإحسان إليهم، وتدبير أمورهم بطرق خفية قد لا يدركونها. وقد ذكر البغوي في تفسير الآية أقوالًا للسلف في معنى اللطف، منها: أنه الحفي بعباده، والبار بهم، والرفيق بهم.

ومن لطيف تدبير الله أن يأتيك رزقك متدرجًا، وأن يسوق إليك أسباب الخير من حيث لا تحتسب، وأن يهيئ لك من الأمور ما لم يكن يخطر ببالك.

رحمة تشعر بها حين يضطرب قلبك

قد تظهر رحمة الله في طمأنينة تنزل على قلبك في أشد أوقات القلق، فتجد نفسك أكثر سكونًا رغم أن الظروف لم تتغير بعد.

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

فمن لطف الله أن جعل ذكره ملجأً للقلوب حين تضطرب، وسببًا لسكون النفوس حين تتزاحم عليها الهموم.

وقد تتأخر عنك الإجابة، وتطول عليك الشدة، فتظن أن أبواب الفرج قد أُغلقت، بينما يذكّرك الله بقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].

فلا تجعل شدة اللحظة تنسيك سعة رحمة الله، ولا تجعل تأخر الفرج يضعف حسن ظنك به؛ فقد يأتي التيسير في وقت لم تكن تتوقعه، ومن طريق لم يخطر لك على بال.

رحمة قد تكون فيما لم تحصل عليه!

من أصعب الأمور على النفس أن تتعلق بشيء، وتسعى إليه، ثم لا تناله. لكن المؤمن يعلم أن علمه محدود، وأن الله يعلم من عواقب الأمور ما لا يعلمه.

قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

فكم من أمر سعيت إليه ولم يُكتب لك، ثم ظهر لك بعد مدة أن ابتعاده كان خيرًا! وكم من باب أُغلق في وجهك، فكان إغلاقه سببًا في فتح أبواب أخرى لم تكن تراها.

وهنا تتجلى رحمة الله في أن العبد لا يُترك لتدبيره المحدود، بل يتولى الله أمره بعلمه وحكمته، وإن خفيت عليه وجوه الخير في بعض الأقدار.

حتى في البلاء.. أنت لا تحرم الخير!

ومن أعظم ما يطمئن قلب المؤمن أن الخير لا ينقطع عنه حتى في أوقات الشدة؛ فقد قال النبي ﷺ:

«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» رواه مسلم.

ففي النعمة باب للشكر، وفي البلاء باب للصبر، وفي كليهما أجر وخير للمؤمن. وليس معنى ذلك أن البلاء لا يؤلم أو أن الحزن لا يصيب الإنسان، وإنما المعنى أن المؤمن يجد في علاقته بالله ما يعينه على تجاوز المحن واحتساب الأجر فيها.

تأمل مقدار رحمة الله بك!

تأمل هذا الموقف الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قَدِم على رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تبحث عن ولدها، فلما وجدته أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته.

فقال النبي ﷺ لأصحابه: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قالوا: لا والله، وهي تقدر على ألا تطرحه. فقال ﷺ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» متفق عليه.

تأمل هذه الصورة: أمٌّ تبحث عن طفلها بين السبي، وحين تجده تضمه إلى صدرها وترضعه، فيجعل النبي ﷺ من هذا المشهد القريب إلى القلوب وسيلة لتقريب معنى عظيم: رحمة الله بعباده أعظم من رحمة هذه الأم بولدها.

فإذا كانت هذه الرحمة التي نشاهدها بين الخلق عظيمة إلى هذا الحد، فكيف بسعة رحمة الله سبحانه وتعالى؟

استحضر نعم الله وأحسن الظن به

قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 34].

توقف قليلًا وتأمل نعم الله عليك: نعمة الإيمان، والعافية، والأهل، والأمن، والرزق، والستر، وكم من بلاء لم تعلم أنه صُرف عنك، وكم من خير جاءك دون أن تسعى إليه أو تتوقعه.

ولا تنسَ أن تحسن ظنك بالله؛ ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي...» ثم قال سبحانه: «وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» متفق عليه.

فمهما ابتعدت، فباب الرجوع إلى الله مفتوح، ومهما أثقلتك الذنوب، فلا تقنط من رحمته، ومهما ضاقت بك الحياة، فلا تفقد حسن ظنك بربك.

تذكر مواقف لطف الله بك، ولا تنشغل بما ينقصك حتى تنسى ما أنعم به عليك؛ فربما كانت طمأنينة قلبك رحمة، وتيسير أمرك رحمة، وصرف البلاء عنك رحمة، وحتى ما لم تحصل عليه قد يكون في منعه عنك رحمة لا تعلمها.

شاركنا في التعليقات: ما أجمل رحمة ساقها الله إليك ولا تزال تتذكرها؟ اكتب موقفًا واحدًا تستحضره الآن.

 

 

بحث
الأكثر تداولاً

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة